فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 847
ولا الثّالث سورة مفتتحة بالحمد.
وقد قرن الحمد في الأولى بخلق السّماوات والأرض وجعل الظّلمات والنّور، وفي الثّانية بإنزال القرآن على عبده، وكلّ منهما سمّي نورا، بل هما أعظم أنوار الهداية، وفي الثّالثة بخلق السّماوات والأرض، وبحمده تعالى في الآخرة، وبصفات الحكمة والخبرة والعلم بما ينزل من السّماء وما يعرج فيها، والرّابعة بخلق السّماوات والأرض، وجعل الملائكة رسلا أولي أجنحة، ووصفه بسعة القدرة، والملائكة من الأنوار الإلهيّة الّتي تنزل من السّماء وتعرج فيها. فظهر بهذا أنّ السّور الثّلاث مفصّلة لما أجمل في الأولى"الأنعام"ممّا حمد اللّه عليه، كما أنّها مؤيّدة لما فيها من إثبات التّوحيد والرّسالة والبعث.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، ألحمد هو الثّناء الحسن والذّكر بالجميل،- كما تقدّم شرحه في سورة الفاتحة- وإسناد (الحمد) إلى اللّه تعالى خبر منه تعالى على المختار، والعبد يحكيه بالتّلاوة مؤمنا به، فيكون حامدا لمولاه، ويذكره في غير التّلاوة إنشاء للحمد وتذكّرا له.
ويجوز أن يكون الحمد هنا إنشاء منه تعالى؛ وأنّ إنشاء الحمد بالجملة الخبريّة جمع بين الخبر والإنشاء، أثنى سبحانه على نفسه بما علم به عباده الثّناء عليه، فأثبت أنّ كلّ ثناء حسن ثابت له بالاستحقاق، وبما هو متّصف به من الخلق والإيجاد والإعداد والإمداد، فذاته تعالى متّصفة بجميع صفات الكمال وجوبا، فالكمال الأعلى داخل في مفهوم حقيقتها أو لازم بيّن من لوازمه.
وقد وصف تعالى نفسه في مقام هذا الحمد بصفتين، من صفاته الفعليّة الّتي هي من موجبات الحمد له، وهما خلق السّماوات والأرض، وجعل الظّلمات والنّور.
مغنيّة: ومعنى الحمد الثّناء، وقوله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ يريد به التّعليم، أي قولوا يا عبادي:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، والثّناء على اللّه حسن على كلّ حال، حتّى عند الضّرّاء، لأنّه أهل للتّقديس والتّعظيم، فإن أصابتك مصيبة، وقلت عندها: الْحَمْدُ لِلَّهِ فإنّك تعبّر بذلك عن صبرك على الشّدائد، وإيمانك القويّ الرّاسخ الّذي لا يزعزعه شي ء، ويتأكّد حسن الحمد ورجحانه عند السّرّاء ودفع البلاء، لأنّه شكر للّه على ما أسبغ وأنعم. (3: 158)
الطّباطبائيّ: افتتح بالثّناء على اللّه، وهو كالمقدّمة لما يراد بيانه من معنى التّوحيد، وذلك بتضمين الثّناء ما هو محصّل غرض السّورة، ليتوسّل بذلك إلى الاحتجاج عليه تفصيلا، وتضمينه العجب منهم ولومهم على أن عدلوا به غيره، والامتراء في وحدته، ليكون كالتّمهيد على ما سيورد من جمل الوعظ والإنذار والتّخويف.
3 -الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. سبأ: 1
ابن عبّاس: يقول: الشّكر للّه وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه ...