فهرس الكتاب

الصفحة 9019 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 926

الأوّل: لا تشدّد علينا في التّكاليف كما شدّدت على من قبلنا من اليهود. قال المفسّرون: إنّ اللّه تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزّكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئا عجّلت لهم العقوبة في الدّنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرّم عليهم من الطّعام بعض ما كان حلالا لهم.

قال اللّه تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ النّساء: 160، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ النّساء: 66، وقد حرّم على المسافرين من قوم طالوت الشّرب من النّهر، وكان عذابهم معجّلا في الدّنيا، كما قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا النّساء:

47، وكانوا يمسخون قردة وخنازير.

قال القفّال: ومن نظر في السّفر الخامس من التّوراة الّتي تدّعيها هؤلاء اليهود، وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربّهم أن يصونهم عن أمثال هذه التّغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم. قال اللّه تعالى في صفة هذه الأمّة: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الأعراف: 157، وقال عليه السّلام:"رفع عن أمّتي المسخ والخسف والغرق"وقال اللّه تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال: 33، وقال عليه الصّلاة والسّلام:"بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة"والمؤمنون إنّما طلبوا هذا التّخفيف، لأنّ التّشديد مظنّة التّقصير. والتّقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب اللّه تعالى، فلا جرم طلبوا السّهولة في التّكاليف.

والقول الثّاني: لا تحمل علينا عهدا وميثاقا يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشّدّة، وهذا القول يرجع إلى الأوّل في الحقيقة. لكن بإضمار شي ء زائد على الملفوظ، فيكون القول الأوّل أولى.

المسألة الثّالثة: لقائل أن يقول: دلّت الدّلائل العقليّة والسّمعيّة على أنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين، فما السّبب في أن شدّد التّكليف على اليهود حتّى أدّى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتّمرّد؟

قالت المعتزلة: من الجائز أن يكون الشّي ء مصلحة في حقّ إنسان، مفسدة في حقّ غيره، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم، فما كانوا ينصلحون إلّا بالتّكاليف الشّاقّة والشّدّة، وهذه الأمّة كانت الرّقّة وكرم الخلق غالبا على طباعهم، فكانت مصلحتهم في التّخفيف وترك التّغليظ.

أجاب الأصحاب بأنّ السّؤال الّذي ذكرناه في المقام الأوّل ننقله إلى المقام الثّاني، فنقول: ولماذا خصّ اليهود بغلظة الطّبع وقسوة القلب ودناءة الهمّة حتّى احتاجوا إلى التّشديدات العظيمة في التّكاليف؟ ولماذا خصّ هذه الأمّة بلطافة الطّبع وكرم الخلق وعلوّ الهمّة حتّى صار يكفيهم التّكاليف السّهلة في حصول مصالحهم؟

ومن تأمّل وأنصف علم أنّ هذه التّعليلات عليلة فجلّ جناب الجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت