فهرس الكتاب

الصفحة 9143 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 71

حتّى لقب رسول اللّه الّتي يلي اسم محمّد صلّى اللّه عليه وآله الكريم.

وقبلوا بالعودة إلى المدينة من الحديبيّة دون أن يستجيبوا لهوى عشقهم بالبيت، ويؤدّوا مناسك العمرة.

ونحروا هديهم خلافا للسّنّة الّتي في الحجّ أو العمرة في المكان ذاته، وأحلّوا من إحرامهم دون أداء المناسك.

أجل لقد رضوا بأن يعضّوا على الأكباد، وأن يصبروا إزاء كلّ المشاكل الصّعبة، ولو كانت فيهم حميّة الجاهليّة لكان واحد من هذه الأمور الآنفة كفيلا أن يشعل الحرب بينهم في تلك الأرض.

أجل إنّ الثّقافة الجاهليّة تدعو إلى الحميّة والتّعصّب والحفيظة الجاهليّة، غير أنّ الثّقافة الإسلاميّة تدعو إلى السّكينة والاطمئنان وضبط النّفس.

ثمّ يضيف القرآن في هذا الصّدد قائلا: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها.

كَلِمَةَ التَّقْوى هنا معناها روح التّقوى. ومعنى الآية أنّ اللّه ألقى روح التّقوى في قلوب أولئك المؤمنين، وجعلها ملازمة لهم ومعهم، كما نقرأ- في هذا المعنى- أيضا الآية: 171، من سورة النّساء، في شأن عيسى بن مريم؛ إذ تقول الآية: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.

واحتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من كَلِمَةَ التَّقْوى: ما أمر اللّه به المؤمنين في هذا الصّدد.

إلّا أنّ المناسب هو"روح التّقوى"الّتي تحمل مفهوما تكوينيّا، وهي وليدة الإيمان والسّكينة والالتزام القلبيّ بأوامر اللّه سبحانه، لذا ورد في بعض الرّوايات عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّ المراد ب كَلِمَةَ التَّقْوى هو كلمة: لا إله إلّا اللّه. وفي رواية عن الإمام الصّادق عليه السّلام أنّه فسّرها بالإيمان.

ونقرأ في بعض خطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قوله:"نحن كلمة التّقوى وسبيل الهدى". وشبيه بهذا التّعبير ما نقل عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام قوله:"و نحن كلمة التّقوى والعروة الوثقى".

وواضح أنّ الإيمان بالنّبوّة والولاية مكمّل للإيمان بأصل التّوحيد ومعرفة اللّه، لأنّهما جميعا داعيان إلى اللّه ومناديان للتّوحيد.

وعلى كلّ حال فإنّ المسلمين لم يبتلوا في هذه اللّحظات الحسّاسة بالحميّة والعصبيّة والنّخوة والحفيظة، وما كتب اللّه لهم من العاقبة المشرقة في الحديبيّة لم تمسسه نار الحميّة والجهالة، لأنّ اللّه يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها.

وبديهيّ أنّه لا ينتظر من حفنة"جماعة"خرافيّة وجاهليّة وعبدة أصنام سوى حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ غير أنّه لا ينتظر من المسلمين الموحّدين الّذين تربّوا سنين طويلة في مدرسة الإسلام مثل هذا الخلق والطّباع الجاهليّة، وما ينتظر منهم هو الاطمئنان والسّكينة والوقار والتّقوى؛ وذلك ما أظهروه في الحديبيّة، وإن كان متوقّعا من حادي الطّبع والمزاج أن يكسروا هذا السّدّ المنيع بما يحملوه من أنفسهم من ترسّبات الماضي، وأن يثيروا الضّوضاء، غير أنّ سكينة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ووقاره كانا كمثل الماء المسكوب على النّار فأطفأها.

وتختتم الآية بقوله سبحانه: وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمًا، فهو سبحانه يعرف نيّات الكفّار السّيّئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت