المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 70
وتشنيعها، فإنّها من خلق أهل الجاهليّة، فإنّ ذلك انتساب ذمّ في اصطلاح القرآن، كقوله: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ آل عمران: 154، وقوله:
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ المائدة: 50.
ويعكس ذلك إضافة السّكينة إلى ضمير اللّه تعالى إضافة تشريف، لأنّ السّكينة من الأخلاق الفاضلة فهي موهبة إلهيّة. (26: 163)
الطّباطبائيّ: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بيان ل (الحميّة) و (الجاهليّة) وصف موضوع في موضع الموصوف، والتّقدير: الملّة الجاهليّة. (18: 289)
مكارم الشّيرازيّ: التّعصّب، وحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ هما أكبر سدّ في طريق الكفّار.
هذه الآية تتحدّث مرّة أخرى عن مجريات الحديبيّة وتجسّم ميادين أخرى من قضيّتها العظمى. فتشير أوّلا إلى واحد من أهمّ العوامل الّتي تمنع الكفّار من الإيمان باللّه ورسوله والإذعان والتّسليم للحقّ والعدالة، فتقول:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ.
ولذلك منعوا النّبيّ والمؤمنين أن يدخلوا بيت اللّه ويؤدّوا مناسكهم، وينحروا الهدي في مكّة. وقالوا لو دخل هؤلاء- الّذين قتلوا آباءنا وإخواننا في الحرب- أرضنا وديارنا وعادوا سالمين فما عسى أن تقول العرب فينا؟! وأيّة حيثيّة واعتبار لنا بعد؟
هذا الكبر والغرور والحميّة حميّة الجاهليّة منعتهم كلّها حتّى من كتابة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* بصورتها الصّحيحة، عند تنظيم معاهدة صلح الحديبيّة، مع أنّ عاداتهم وسننهم كانت تجيز العمرة وزيارة بيت اللّه للجميع، وكانت مكّة عندهم حرما آمنا حتّى لو وجد أحدهم قاتل أبيه فيها أو أثناء المناسك، فلا يناله منه سوء وأذى لحرمة البيت عنده، فهؤلاء- بهذا العمل- هتكوا حرمة بيت اللّه والحرم الآمن وجعلوا سننهم وعاداتهم تحت أقدامهم، كما سدلوا ستارا حاجبا بينهم وبين الحقيقة أيضا، وهكذا هي آثار حميّة الجاهليّة المميتة.
و (الحميّة) في الأصل من مادّة"حمي"على وزن"حمد"ومعناها الحرارة الّتي تقع من الشّمس أو النّار على جسم الإنسان وما شاكله، ومن هنا سمّيت الحمّى الّتي تصيب الإنسان، بهذا الاسم"حمّى"على وزن"كبرى".
ويقال لحالة الغضب أو النّخوة أو التّعصّب المقرون بالغضب: حميّة أيضا.
وهذه الحالة السّائدة في الأمم هي بسبب الجهل وقصور الفكر والانحطاط الثّقافيّ خاصّة بين"الجاهليّين"وكانت مدعاة لكثير من الحروب وسفك الدّماء.
ثمّ تضيف الآية الكريمة، وفي قبال ذلك فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
هذه السّكينة المولودة عن الإيمان والاعتقاد باللّه والاعتماد على لطفه، دعتهم إلى الاطمئنان وضبط النّفس، وأطفأت لهب غضبهم، حتّى أنّهم قبلوا- ومن أجل أن يحفظوا ويرعوا أهدافهم الكبرى- بحذف جملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الّتي هي رمز الإسلام في بداية الأعمال، وأن يثبتوا مكانها"بسمك اللّهمّ"الّتي هي من موروثات العرب السّابقين في أوّل المعاهدة، وحذفوا