المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 89
لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ التّحريم: 2؟
قلنا: لأنّ كفّارة اليمين لم تكن لأحد قبلنا، بل هي لنا ممّا أكرم اللّه به هذه الأمّة، بدليل قوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ.
3 -سوّغ الماورديّ للمريض وذي الزّمانة الحنث في اليمين، ولم يسوّغ ذلك في غيره. غير أنّه قاس هذا الحكم على أيّوب عليه السّلام أيضا، كما يلوح من ظاهر كلامه، وهو باطل، لأنّ الحنث من وساوس الشّيطان، والأنبياء لا تعتريهم الوساوس والشّياطين.
ثانيا: جاء الحنث في (2) بمعنى الذّنب والإثم أيضا كما في (1) ، وفيها بحوث:
1 -اختلف في المراد به، فقال ابن عبّاس:"الشّرك باللّه"، وقال الشّعبيّ:"اليمين الغموس"، وقال مجاهد:
"الذّنب العظيم الّذي لا يتوبون منه"، وقال الزّجّاج:
"الكفر بالبعث".
واستدلّ الفخر الرّازيّ على قول ابن عبّاس بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان: 13. واستدلّ الواحديّ على قول الشّعبيّ بقوله: وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا الواقعة: 47، واستدلّ النّسفيّ عليه بقوله:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ النّحل: 38، وهو دليل على الكفر بالبعث أيضا، كما استدلّ بذلك الزّجّاج.
وروى البروسويّ عن بعض: أنّ المراد به الكذب، واستدلّ بقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ الواقعة: 51.
2 -قال الفخر الرّازيّ:"فيه مبالغات من وجوه":
أحدها: قوله تعالى: كانُوا يُصِرُّونَ وهو آكد من قول القائل: إنّهم قبل ذلك أصرّوا، لأنّ اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدلّ على الاستمرار، لأنّ قولنا: فلان كان يحسن إلى النّاس، يفيد كون ذلك عادة له.
ثانيها: لفظ الإصرار، فإنّ الإصرار مداومة المعصية والغلول، ولا يقال في الخير: أصرّ.
ثالثها: الحنت، فإنّه فوق الذّنب، فإنّ الحنث لا يكاد في اللّغة يقع على الصّغيرة، والذّنب يقع عليها. وأمّا الحنث في اليمين فاستعملوه، لأنّ نفس الكذب عند العقلاء قبيح، فإنّ مصلحة العالم منوطة بالصّدق، وإلّا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة، فلا يبنى على كلامه مصالح، ولا يجتنب عن مفاسد ..."."
3 -وصف الحنث هنا بأنّه عظيم، كما وصف الإثم به أيضا في قوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا النّساء: 48، وما وصف لفظ آخر من نظائره بهذه الصّفة غيره، وهذا ينبئ بقرب الإثم منه معنى.
ومن الملفت للنّظر أنّ الإثم وصف بأنّه كبير في قوله:
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ البقرة: 219، ووصف بأنّه مبين أيضا في مواضع، منها قوله:
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا النّساء: 20، كما وصف لفظان آخران من نظائر الحنث والإثم بالكبر، وهما:
الحوب في قوله: إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا النّساء: 2، والخطء في قوله: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا الإسراء:
31.وهذا يعني أنّهما- إضافة إلى الإثم- أقرب الألفاظ بهذا المعنى إلى الحنث. وهناك ألفاظ أخرى نظير للحنث لم توصف بوصف مّا، نحو: الذّنب، والجرم، والخطيئة، والحرج، والجناح، والإصر.