فهرس الكتاب

الصفحة 9160 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 88

وفسّر البعض الْحِنْثِ الْعَظِيمِ بمعنى الشّرك؛ لأنّه لا ذنب أعظم من الشّرك. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... النّساء: 48.

وفسّر (الحنث) بالكذب، لأنّه أعظم الذّنوب، ومفتاح المعاصي، خصوصا حينما يكون الكذب تكذيبا للأنبياء عليهم السّلام والمعاد.

والظّاهر أنّ هذه جميعا تعتبر مصاديق للحنث العظيم. (17: 434)

الأصول اللّغويّة

1 -الأصل في هذه المادّة الحنث، أي الإثم؛ يقال:

فلان يتحنّث من كذا، أي يتأثّم منه، وبلغ الغلام الحنث:

الإدراك والبلوغ؛ إذ تثبت عليه ذنوبه، وتحسب له طاعته.

والحنث: الخلف في اليمين؛ لأنّه ذنب؛ يقال: حنث في يمينه حنثا وحنثا، أي لم يبرّ فيها، وأحنثه هو، وعلى فلان يمين قد حنث فيها، وعليه أحناث كثيرة، والمحانث:

مواقع الحنث.

2 -وجاءت فيها ألفاظ من (ح ن ف) على الإبدال، كقولهم: قد حنثت، أي ملت إلى هواك عليّ، وقد حنثت مع الحقّ على هواك، وتحنّث: تعبّد واعتزل الأصنام، وفلان يتحنّث: يتعبّد اللّه؛ لأنّ الحنيف: المائل من خير إلى شرّ، أو من شرّ إلى خير، كما أنّ أصله الميل عند ابن فارس.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها كلمتان كلّ منهما مرّة: (تحنث) و (الحنث) في آيتين:

1 -وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ...

ص: 44

2 -وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ

الواقعة: 46

يلاحظ أوّلا: أنّ الحنث في (1) هو الإثم والذّنب كما في اللّغة، وفيها بحوث:

1 -قال ابن العربيّ:"يدلّ على أحد وجهين: إمّا لأنّه لم يكن في شرعه كفّارة، وإنّما كان البرّ أو الحنث."

والثّاني: أن يكون ما صدر منه نذرا لا يمينا، وإذا كان النّذر معيّنا، فلا كفّارة فيه عند مالك وأبي حنيفة"."

وردّه القرطبيّ قائلا:"قوله: إنّه لم يكن في شرعهم كفّارة، ليس بصحيح، فإنّ أيّوب عليه السّلام لمّا بقي في البلاء ثماني عشرة سنة- كما في حديث ابن شهاب- قال له صاحباه: لقد أذنبت ذنبا ما أظنّ أحدا بلغه!"

فقال أيّوب عليه السّلام: ما أدري ما تقولان؟ غير أنّ ربّي عزّ وجلّ يعلم أنّي كنت أمرّ على الرّجلين يتزاعمان، فكلّ يحلف باللّه، أو على النّفر يتزاعمون، فأنقلب إلى أهلي، فأكفّر عن أيمانهم إرادة ألّا يأثم أحد يذكره ولا يذكره إلّا بحقّ، فنادى ربّه: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وذكر الحديث.

فقد أفادك هذا الحديث أنّ الكفّارة كانت من شرع أيّوب، وأنّ من كفّر عن غيره بغير إذنه، فقد قام بالواجب عنه، وسقطت عنه الكفّارة"."

2 -قال البروسويّ:"فإن قيل: لم قال اللّه تعالى لأيّوب عليه السّلام: (لا تحنث) وقال لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت