فهرس الكتاب

الصفحة 9198 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 126

الرّغبة. ومن رغب عن كلّ انحراف فقد سار على الصّراط المستقيم.

وعلى هذا فإنّ الآية السّابقة اعتبرت الإخلاص وقصد القربة إلى اللّه محرّكا أساسيّا في الحجّ والعبادات الأخرى، حيث ذكرت ذلك بشكل عامّ، فالإخلاص أصل العبادة. والمراد: الإخلاص الّذي لا يخالطه أيّ نوع من الشّرك وعبادة غير اللّه. [ثمّ ذكر حديث الإمام الباقر عليه السّلام وقال:]

إنّ التّفسير الّذي تضمّنه هذا الحديث، هو في الواقع إشارة إلى أساس الإخلاص، أي الفطرة التّوحيديّة الّتي تكون مصدرا لقصد القربة إلى اللّه، وتحريكا ذاتيّا من اللّه.

فضل اللّه: مستقيمين في الحقّ ومائلين عن الباطل، وذلك بالالتزام بالتّوحيد الخالص الّذي يرفض الشّرك من موقع صفاء التّصوّر والفكر والشّعور، وحركة الحقّ في داخل الذّات ... (16: 63)

2 -وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ... البيّنة: 5

عبد الجبّار: وربّما قيل: ما الفائدة في قوله تعالى:

(حنفاء) ، وإذا عبدوا اللّه وأخلصوا كفى ذلك؟

وجوابنا: أنّ المراد مستقيمي الطّريقة، لأنّهم أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين له الدّين، على هذا الوجه. وقد قيل في الإخلاص: إنّ المراد به تخليص الطّاعات من الكبائر، فيشهد لما ذكرناه.

ويجوز أن يراد به: وما أمروا إلّا بذلك على هذا الوجه السّهل، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم:"بعثت بالحنيفيّة السّمحاء".

وهذه الآية دالّة على أنّ كلّ عبادة من الدّين، وعلى أنّ ما يعبد اللّه به يجب أن يفعل على هذا الوجه، وفعله على هذا الوجه دون غيره لا يتمّ إلّا والعبد متمكّن من فعله على غير هذا الوجه. وقوله تعالى: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ الآية، يدلّ أيضا على ما ذكرنا. (472)

الفخر الرّازيّ: فيه أقوال:

[القول] الأوّل: قال مجاهد: متّبعين دين إبراهيم عليه السّلام، ولذلك قال: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ النّحل: 123، وهذا التّفسير فيه لطيفة، كأنّه سبحانه لمّا علم أنّ التّقليد مستول على الطّباع لم يستجز منعه عن التّقليد بالكلّيّة، ولم يستجز التّعويل على التّقليد أيضا بالكلّيّة، فلا جرم ذكر قوما أجمع الخلق بالكلّيّة على تزكيتهم، وهو إبراهيم ومن معه، فقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ الممتحنة: 4، فكأنّه تعالى قال: إن كنت تقلّد أحدا في دينك، فكن مقلّدا إبراهيم؛ حيث تبرّأ من الأصنام.

وهذا غير عجيب، فإنّه قد تبرّأ من نفسه حين سلّمها إلى النّيران، ومن ماله حين بذله للضّيفان، ومن ولده حين بذله للقربان. بل روي أنّه سمع: سبّوح قدّوس فاستطابه، ولم ير شخصا فاستعاده، فقال: أمّا بغير أجر فلا. فبذل كلّ ما ملكه فظهر له جبريل عليه السّلام، وقال: حقّ لك حيث سمّاك خليلا فخذ مالك، فإنّ القائل: كنت أنا، بل انقطع إلى اللّه حتّى عن جبريل حين قال له: أمّا إليك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت