المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 127
فلا.
فالحقّ سبحانه كأنّه يقول: إن كنت عابدا فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السّلاطين، أما تترك الحرام وموافقة الشّياطين؟ فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصّبيّ، كيف انقاد لحكم ربّه مع صغره، فمدّ عنقه لحكم الرّؤيا.
وإن كنت دون الرّجل فاتّبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أمّ الذّبيح، كيف تجرّعت تلك الغصّة.
ثمّ إنّ المرأة الحرّة نصف الرّجل، فإنّ الاثنتين يقومان مقام الرّجل الواحد في الشّهادة والإرث، والرّقيقة نصف الحرّة بدليل أنّ للحرّة ليلتين من القسم، فهاجر كانت ربع الرّجل، ثمّ انظر أنّها كيف أطاعت ربّها فتحمّلت المحنة في ولدها، ثمّ صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكّة بلا ماء ولا زاد، وانصرف لا يكلّمها ولا يعطف عليها، قالت: آللّه أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاقّ.
والقول الثّاني: المراد من قوله: (حنفاء) أي مستقيمين، والحنف هو الاستقامة، وإنّما سمّي مائل القدم أحنف على سبيل التّفاؤل، كقولنا للأعمى: بصير، وللمهلكة مفازة. ونظيره قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فصّلت: 30، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فاتحة الكتاب: 5.
القول الثّالث: قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما:
حجّاجا؛ وذلك لأنّه ذكر العباد أوّلا ثمّ قال: (حنفاء) ، وإنّما قدّم الحجّ على الصّلاة، لأنّ في الحجّ صلاة وإنفاق مال.
الرّابع: قال أبو قلابة: الحنيف: الّذي آمن بجميع الرّسل، ولم يستثن أحدا منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا؟
الخامس: (حنفاء) أي جامعين لكلّ الدّين؛ إذ الحنيفيّة كلّ الدّين. قال عليه السّلام:"بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة".
السّادس: قال قتادة: هي الختان، وتحريم نكاح المحارم، أي مختونين محرمين لنكاح الأمّ والمحارم. فقوله:
(حنفاء) إشارة إلى النّفي، ثمّ أردفه بالإثبات، وهو قوله:
(وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ) .
السّابع: قال أبو مسلم: أصله من الحنف في الرّجل، وهو إدبار إبهامها عن أخواتها حتّى يقبل على إبهام الأخرى، فيكون الحنيف هو الّذي يعدل عن الأديان كلّها إلى الإسلام.
الثّامن: قال الرّبيع بن أنيس: الحنيف: الّذي يستقبل القبلة بصلاته، وإنّما قال ذلك لأنّه عند التّكبير يقول:
وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا. (32: 46)
الخازن: [نقل بعض الأقوال ثمّ قال:]
وقيل: الحنيف: الّذي آمن بجميع الأنبياء والرّسل، ولا يفرّق بين أحد منهم، فمن لم يؤمن بأشرف الأنبياء وهو محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فليس بحنيف. (7: 232)
الشّربينيّ: أي مائلين عن الأديان كلّها إلى دين الإسلام. وأصل الحنف في اللّغة: الميل، وخصّه العرف بالميل إلى الخير، وسمّوا الميل إلى الشّرّ: إلحادا.
والحنيف: المطلق الّذي يكون متبرّئا عن أصول