المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 183
أحدهما: أنّه ما كان ميّتا، بل كان حيّا طريّا حكاه مكارم الشّيرازيّ. ولا يوافقه كونه غذاء لموسى وفتاه حيث قال موسى له في آية بعدها: آتِنا غَداءَنا.
ثانيهما: أنّه بقى ميّتا حتّى سقط في البحر. واحتمله الطّباطبائيّ بحجّة أنّ الآيات غير صريحة في حياة الحوت بعد ما كان ميّتا، بل ظاهر نَسِيا حُوتَهُما، ونَسِيتُ الْحُوتَ أنّهما وضعاه في مكان من الصّخرة مشرف على البحر، فسقط في البحر بمدّ ونحوه، فغاب فيه وغار في أعماقه بنحو عجيب. وأيّده بما جاء في بعض الرّوايات أنّ العلامة لالتقاء موسى بالخضر افتقاد الحوت لا حياته!!
وكأنّ فضل اللّه أراده بقوله:"و ربّما يلاحظ البعض بأنّ الآية ليست ظاهرة في ذلك"أي في حياته بعد موته.
ثمّ ردّه"بأنّ الآية: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، قد تكون دليلا على حياته بعد موته، لأنّها تتحدّث عنه كما لو كان يتحرّك حركة اختياريّة في سلوكه الطّريق إلى البحر".
وهو الحقّ الموافق للرّوايات. لاحظ"يونس"، وموادّ الألفاظ الّتي جاءت في قصّته منها"مجمع البحرين".
6 -ولعلّك تقول: أما كان الأوفق أن يقول: (نسيا حوتا لهما) ، كما قال: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ الطّور: 24، ولم يقل: (و يطوف عليهم غلمانهم) ؟
نقول: كلّا ليس من الأوفق ذلك، لأنّه جاء على أصله، وهو اختصاص الحوت بهما كما تفيده الإضافة، ولو قطع عنها لتعيّنت الملكيّة عليهما معا بلام الملك، وهو خلاف الحال، لأنّ الفتى كان تابعا لموسى، والملكيّة تحقّقت لموسى دون فتاه، فتنتفي التّثنية.
وأمّا قوله: غِلْمانٌ لَهُمْ فهو ليس اختصاصا ولا ملكا، بل هؤلاء ملائكة من أجمل ما يكون كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ، جعلهم اللّه خدما وفرحا لأهل الجنّة، يطوفون عليهم ويهبونهم بجمالهم فرحا وبجهودهم حاجة، كما قال:
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا الدّهر: 19، فهذا من قبيل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا النّحل: 72، والجمع والتّنكير مع اللّام أو بدونها غِلْمانٌ لَهُمْ، و (لكم ازواجا) ، وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ* في أمثال هذا السّياق تعظيم للنّعمة وتكبير للموهبة.
رابعا: جاءت (5) في سورة الأعراف بشأن حرمة الصّيد يوم السّبت على بني إسرائيل واحتيالهم في ذلك، وكانت الحيتان كسبت تجربة أو بإلهام اللّه إيّاهنّ- وهو الحقّ- أنّ القوم لا يصيدونها يوم السّبت، فتأتيهم في هذا اليوم، ولا تأتيهم في سائر الأيّام فاحتالوا في صيدها- كما حكى الطّبرسيّ (2: 492) - بإلقاء السّمكة في الماء يوم السّبت، ولا يخرجونها في هذا اليوم بل في غيره من الأيّام، أو كانوا يتّخذون حياضا فيسوقون الحيتان إليها يوم السّبت، ويصيدونها في غيره. وفيها بحثان:
1 -حيتان: جمع حوت. أبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهي جمع الكثرة، وجمع القلّة:
أحوات.
2 -أضيفت"حيتان"إلى ضمير"هم"العائد على أهل القرية، وعلّة الإضافة- كما قال أبو السّعود-"للإشعار باختصاصها بهم، لاستقلالها بما لا يكاد يوجد"