فهرس الكتاب

الصفحة 9373 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 301

مسكرا فجنى جناية.

قال بعض المحقّقين: ولذلك أضاف الإحاطة إليها إشارة إلى أنّ السّيّئات باعتبار وصف الإحاطة داخلة تحت القصد بالعرض، لأنّها بسبب نسيان التّوبة.

ولكونها راسخة فيه متمكّنة حال الإحاطة أضافها إليه، بخلاف حال الكسب فإنّها متعلّق القصد بالذّات، وغير حاصلة فيه فضلا عن الرّسوخ؛ فلذا أضاف الكسب إلى سيّئة ونكّرها. وإضافة (الأصحاب) إلى النّار على معنى الملازمة، لأنّ الصّحبة وإن شملت القليل والكثير، لكنّها في العرف تخصّ بالكثرة والملازمة، ولذا قالوا: لو حلف من لاقى زيدا أنّه لم يصحبه لم يحنث.

والمراد ب"الخلود"الدّوام، ولا حجّة في الآية على خلود صاحب الكبيرة، لأنّ الإحاطة إنّما تصحّ في شأن الكافر، لأنّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه، فلم تحط خطيئته به، لكون قلبه ولسانه منزّها عن الخطيئة.

وهذا لا يتوقّف على كون التّصديق والإقرار حسنتين، بل على أن لا يكونا سيّئتين، فلا يرد البحث بأنّ الخصم يجعل العمل شرطا لكونهما حسنتين، كما يجعل الاعتقاد شرطا لكون الأعمال حسنات، فلا يتمّ عنده أنّ الإحاطة إنّما تصحّ في شأن الكافر، ولا يحتاج إلى الدّفع بأنّ المقصود أنّه لا حجّة له في الآية، وهذا يتمّ بمجرّد كون الإحاطة ممنوعة في غير الكافر، فلو ثبت أنّ العمل داخل في الإيمان صارت الآية حجّة- ودون إثباته خرط القتاد.

ثمّ إنّ نفي الحجّيّة بحمل الإحاطة على ما ذكر، إنّما يحتاج إليه إذا كانت السّيّئة والخطيئة بمعنى واحد، وهو مطلق الفاحشة. أمّا إذا فسّرت السّيّئة بالكفر أو الخطيئة به- حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والرّبيع- فنفي الحجّيّة أظهر من نار على علم.

ومن النّاس من نفاها بحمل"الخلود"على أصل الوضع وهو اللّبث الطّويل، وليس بشي ء، لأنّ فيه تهوين الخطب في مقام التّهويل، مع عدم ملائمته حمل الخلود في الجنّة على الدّوام.

وكذا لا حجّة في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ البقرة: 80 إلخ، بناء على ما زعمه الجبّائيّ؛ حيث قال: دلّت الآية على أنّه تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده بإخراج أهل الكبائر والمعاصي من النّار بعد التّعذيب، وإلّا لما أنكر على اليهود بقوله تعالى: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ إلخ. وقد ثبت أنّه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجرا لهم عن المعاصي، فقد ثبت أن يكون عذابهم دائما.

وإذا ثبت في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمّة؛ إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم، إذا كان قدر المعصية واحدا، لأنّ ما أنكر اللّه عليهم جزمهم بقلّة العذاب لا انقطاعه مطلقا، على أنّ ذلك في حق الكفّار لا العصاة كما لا يخفى.

و (من) تحتمل أن تكون شرطيّة، وتحتمل أن تكون موصولة، والمسوّغات لجواز دخول"الفاء"في الخبر إذا كان المبتدأ موصولا موجودة، ويحسّن الموصوليّة مجي ء الموصول في قسيمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت