المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 389
وقد اختصّ كلّ مترادف من مترادفات الحول في القرآن بمعان لا تتكرّر في غيره، كاستعمال الأجر في الحجّة، والعدّ في السّنة، وإبعاد المشركين عن المسجد الحرام في العام.
بيد أنّه ذكر فطام الرّضيع في العام أيضا: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ لقمان: 14، وهو نظير الآية (20) . كما ذكر لبث النّبيّ نوح عليه السّلام في قومه في"السّنة"وفي"العام"أيضا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا العنكبوت: 14، فعدّ الألف بالسّنة والخمسين بالعام.
2 -ربّ قائل يقول: ما وجه إطلاق الحول في (19) وتقييده في (20) ب"كاملين"؟
يقال له: أطلق الأوّل لأنّ المرأة مخيّرة بين السّكن في بيت زوجها حولا كاملا بعد وفاته، وبين الخروج منه قبل الحول، ولذا أعقبه بقوله: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، وبه ينتفي تقييد الحول بالكمال.
ولكن قيّده في الثّاني وأكّده بصفة الكمال، لانتفاء التّخيير في مدّة الرّضاع حتّى لا يغبن الرّضيع، كما أنّ الولد قاصر وليس بالغا مخيّرا، ولذا حدّد بهذه الصّفة.
3 -استعمل الحول هنا لأنّه أبلغ من غيره في هذا المعنى، يقال: حال الشّي ء، أي مضى عليه حول، إلّا أنّ العام أو السّنة ينقلان إلى وزن (أفعل) ليفيدا الدّخول في هذا المعنى، يقال: أعوم الشّي ء، أي مضى له عام، وأسنى:
أتت عليه سنة، كما أنّه ليس للحجّة: جمع حجج فعل في قوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ القصص: 27.
الرّابع: التّغيير في (21) : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا و (22) إلى (24) : (تحويلا) ، وفيها بحوث:
1 -اختلف في الحول في (21) ، فذهب الزّمخشريّ إلى أنّه مصدر: حال من مكانه حولا، أي تحوّل. وذهب الطّبريّ إلى أنّه مصدر: تحوّل تحوّلا وحولا. وذهب الواحديّ إلى أنّه اسم مصدر بمعنى التّحويل، وقام مقام المصدر، يقال: حوّلوا عنه تحويلا وحولا.
وقيل: إنّ الحول: الحيلة، أي لا يحتالون منزلا غيرها، رواه الزّجّاج، وضعّفه ابن عطيّة، وقال:"كأنّه اسم جمع، وكأنّ واحده حولة"، ثمّ عقّبه قائلا:"و في هذا نظر".
2 -إنّ الحول في (21) والتّحويل في (22) إلى (24) بمعنى التّغيير من حال إلى حال، وربّما من مكان إلى مكان. وهما منفيّان في الجميع، ففي (21) مشيئة أهل الجنّة، وفي (22) تعجيز الشّركاء لكشف الضّرّ عن الأتباع، وفي (23) تحدّ للخلق من تغيير سنّة اللّه، والنّفي فيها مطلق وَلا تَجِدُ وكذلك في (24) ، إلّا أنّ النّفي فيها للاستقبال وَلَنْ تَجِدَ، وهي آكد في النّفي من نظيرتها، ولذا نسبت السّنّة فيها إلى لفظ الجلالة دون الأخرى.
3 -الفرق بين التّحويل والتّبديل في (24) واضح لغة، فإنّ التّبديل أن يعوّض شيئا بدلا عن شي ء، والتّحويل أن يتصرّف فيه بنحو من التّصرّف من غير تعويض إلّا أنّ المراد بهما هنا واحد كرّر بلفظين تأكيدا.
4 -جاءت هذه الآيات الأربع في ثلاث سور مكّيّة، وهي تعني مشركي مكّة، فالأولى ترغيب لهم في الجنّة طمعا في إيمانهم، والثّلاث الأخرى ترهيب لهم ردعا