المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 432
(الفاجر) ، وإن كان متّصلا بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ق: 16، فالمشار إليه (الموت) والخطاب للجنس وفيه البرّ والفاجر، ثمّ رجّح الثّاني بقوله بعده:
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ق: 21، حيث عمّ كلّ نفس، ولا يخصّ بالفاجر.
والحقّ أنّ الكلام في هذا السّياق بدأ بقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ويستمرّ إلى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ق: 22، ولا علاقة له ب كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ، ولا ب بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.
3 -يرجع سبب فرار الكافر ونفاره من الموت إلى حبّه للحياة الدّنيا، وإنكاره للحياة الأخرى، فيخاف مغبّة ما أنكر، وتعلّقه بزخارف الدّنيا وزينتها. وأمّا المؤمن فهو يحبّ لقاء اللّه، ولا يخاف من الموت إن حلّ به، لإيمانه بانتقاله إلى عيش جديد، ونعيم لا يبيد.
4 -قال ابن عاشور:"و تقديم (منه) على (تحيد) للاهتمام بما منه الحياد وللرّعاية على الفاصلة"وهو الوجه عندنا فيه وفي نظائره، كما أنّ في التّقديم إفادة للحصر في بعض الآيات، مثل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وهو هنا محتمل أيضا.
5 -جملة ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، تدلّ على الدّوام، فإنّ الكافر بل كلّ إنسان يكره الموت بطبعه طول عمره إلّا المخلصين وقليل ما هم.
6 -وفيها التفات عن الغيبة الّتي توجد في الآيات قبلها وبعدها، اهتماما به أيضا كالالتفات في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ عمّا قبلهما. وقد جاء بعدها الالتفات مكرّرا في وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ* لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ق: 21، 22.
7 -وفي التّعبير عن الموت ب سَكْرَةُ الْمَوْتِ، تشبيه بليغ، لاحظ س ك ر:"سكرة".
ثانيا: استعمل (الحيد) في الميل عن الموت أو الحقّ، كما استعملت نظائره في شتّى المعاني، ومنها:
1 -الميل: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا النّساء: 27، أي تعدلوا عن الاستقامة.
2 -التّحريف: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ النّساء: 46، أي يعدلون بكلمات اللّه وأحكامه عن مواضعها.
3 -الجنوح: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الأنفال: 61، أي إن مالوا إلى المسالمة فمل إليها.
4 -الصّدوف: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها الأنعام: 157، أي مال وعدل عنها.
5 -الإلحاد: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ النّحل: 103، أي لغة الّذي يميلون إليه القول أعجميّة.
6 -الزّيغ: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ سبأ: 12، أي من يعدل من الجنّ عمّا أمر به.
7 -النّكوب: وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ المؤمنون: 74، أي عن الدّين الحقّ عادلون مائلون.
8 -الجنف: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا البقرة: 182، أي ميلا في الكلام وفي الأمور كلّها.