فهرس الكتاب

الصفحة 9564 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 492

أي أصابه ونزل به، وفيه بحوث:

1 -فسّره ابن عبّاس بالوجوب، وهو من قولهم:

حقّ الأمر حقّا، أي ثبت ووجب، من مادّة (ح ق ق) ، ومنه قوله: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ الحجّ: 18. وقال ابن عطيّة:"قال قوم: أصل حاق"حقّ"، فبدّلت القاف الواحدة كما بدّلت النّون في"تظنّنت"، وهذا ضعيف".

وفسّره الضّحّاك بالإحاطة، وهو اختيار الزّجّاج والزّمخشريّ وغيرهما، وهو من قوله: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها الكهف: 29، وقوله:

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ* التّوبة: 49 والعنكبوت: 54.

وفسّره عطاء والطّبريّ بالحلول، وهو قول لأبي السّعود أيضا، من قوله: وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ هود: 39.

وفسّره السّدّيّ بالوقوع، أخذه من قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ الطّور: 7.

وجمع الفرّاء بين الإحاطة والنّزول في تفسير الحيق، وحذا حذوه كثير من المفسّرين، كالطّبريّ وابن عطيّة وأبي السّعود والآلوسيّ وغيرهم.

2 -أسند الحيق إلى غير اللّه مجازا في (1) إلى (8) :

ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ،* وهو لا يكون إلّا له تعالى، كما قال في (9) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، والمسند إليه هو"ما"، وهي إمّا اسم موصول في محلّ رفع فاعل، وتقديره العذاب. وإمّا حرف مصدريّ، والمصدر المؤوّل فاعل، على حذف مضاف، وتقديره: جزاء استهزائهم.

كما أسند الحيق في (9) : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ إلى (سوء العذاب) ، وفي (10) : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلى (المكر السّيّئ) ، وهو مجاز أيضا، قال الآلوسيّ:"إسناده إلى ما أسند إليه مجاز عقليّ، من قبيل:"أقدمني بلدك حقّ لي على فلان"إذ من المعلوم من مذهب أهل الحقّ أنّ المهلك ليس إلّا اللّه تعالى، فإسناده إلى غيره لا يكون إلّا مجازا". ثمّ ردّه بأنّه لا داعي إلى تفسيره بالإهلاك، إلّا أن يكون مراده مؤدّى الكلام، ثمّ ارتكب فيه التّجوّز بنحو آخر، وهو أنّ الإحاطة تخصّ الأجسام، ونسبت هنا إلى المعاني، لأنّ العذاب من قبيل المعاني. ولكن فيه نظر، لأنّ العقيدة استقرّت على الجزاء الجسمانيّ ثوابا وعقابا، كما هو صريح الآيات. وفيها جميعا تجوّز آخر وهو حذف المضاف، أي جزاء استهزائهم وجزاء مكرهم، فنسب ما للمضاف إلى المضاف إليه.

3 -كان نزول العذاب على الكافرين في (1 - 8) جزاء لاستهزائهم بالرّسل والأنبياء، وإصابة آل فرعون بسوء العذاب في (9) جزاء لمكرهم السّيّئ بموسى عليه السّلام، وكذا إصابة الكافرين بالعذاب في (10) جزاء لمكرهم السّيّئ أيضا.

4 -سيقت الآيات (1 - 8) سياقا واحدا: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ،* سوى (1) و (4) ، فجاءتا على هذا النّسق فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فربط فيها جميعا بين الاستهزاء والحيق، كما ربط في (9 و 10) بين مكر السّيّئ والحيق، والاستهزاء أمر ظاهر، والمكر أمر خفيّ، إلّا أنّ ذلك الظّاهر منبعث عن هذا الخفيّ، وبذلك أوجب الأمران إحاطة العذاب بهم الجسمانيّ والرّوحانيّ جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت