فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 170
وما بينهما مخلوق للّه، وهذا ما يوقف عليه بعد أن يعهد الإنسان القرآن أمدا طويلا. ويؤيّده أنّه لا يوجد في القرآن التّعبير ب"ما فوقها"او"ما تحتها"مع وجود"ما فيهما".
وثالثا: لعلّ سرّ تقديم (السّموات) على (الأرض) في تلك الآيات هو الإشارة إلى سعة السّماوات وعظمها وصغر الأرض في جنبها. ثمّ الاهتمام بتوجيه الإنسان إلى الانسلاخ عن هذه الأرض والابتعاد عنها، والالتفات إلى جهة العلوّ. ثمّ إنفاذ همّته وتوسيع فكره نحو الآفاق الرّحبة، والإحاطة بها، وكشف أسرارها أوّلا، ثمّ لفت نظره إلى الأرض ثانيا. وبتعبير آخر، الهدف من ذلك هو تفضيل الجانب المعنويّ على الجانب المادّيّ. لكنّ القرآن أتى بكلمة (الأرض) وأضافها إلى (السّماوات) حذرا من أن يهمل الإنسان الأرض الّتي فيها ومنها خلقه، وإليها معاده، وفيها معاشه.
ورابعا: جاءت السّماوات والأرض"166"مرّة مجرّدة- وهي أكثرها- و"20"مرّة مع قوله: (و ما بينهما) ومرّة مع قوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ ءٍ الأعراف:
185، وهذا إن دلّ على شي ء فإنّما يدلّ على أنّ المراد بالجميع- كما قلنا- هو العالم بأجمعه، إلّا أنّ السّياق قد يقتضي تفصيلا وتوضيحا أكثر، فأضيف إلى السَّماواتُ وَالْأَرْضُ قوله: وَما بَيْنَهُما أو وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ ءٍ أو ما يجري مجراه، فلنلاحظ نموذجا من الآيات:
1 -أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ ءٍ الأعراف: 185
2 -الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ الفرقان: 59
3 -وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ق: 38
4 -ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ الرّوم: 8
5 -ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ* الحجر: 85، الأحقاف: 3
6 -وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما الزّخرف: 85
فالآية"1"فيها ترغيب للنّاس أن ينظروا في واقع السّماوات والأرض، وكلّ ما خلق اللّه من شي ء، فالنّظر يستدعي الاستيعاب لكلّ ما خلق اللّه واحدا بعد آخر.
وهناك وجه آخر في الآية، وهو أنّ النّظر قسمان: نظر إلى ملكوت السّماوات والأرض إجمالا على النّحو الكلّيّ، ونظر إلى ما فيهما تفصيلا. وصدر الآية يدعو إلى الأوّل، وذيلها إلى الثّاني.
والآيتان"2 و3"بصدد بيان أنّ السّماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات إنّما خلقهما اللّه في ستّة أيّام فقط. وهذا أبلغ في تجسيم سعة قدرة اللّه، وأوقع في النّفوس.
والآيتان"4 و5"بصدد بيان أنّ اللّه لم يخلق شيئا إلّا بالحقّ، وذلك يعلم بالنّظر إلى السّماوات والأرض إجمالا، وإلى ما بينهما تفصيلا.
وكذلك الآية"6"بصدد إثبات عظمة ملك اللّه، وأنّه مبارك كثير الخيرات، فينبغي النّظر إليه إجمالا