فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 182
ورابعا: أدان القرآن فرعون وهامان وجنودهما، وقارون وقوم عاد من الغابرين بالعلوّ والاستكبار، كما أدان الكفّار عامّة وكفّار قريش خاصّة بذلك، إشعارا بأنّ الكفر ملّة واحدة، وأنّ الكافرين والمستكبرين بعضهم من بعض.
وخامسا: أنّ قوم موسى قاسوا موسى وهارون بأنفسهم ونسبوا إليهما الاستكبار وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ يونس: 78، وهذا شأن المستكبرين والّذين لا يؤمنون، كما يقال في الفارسيّة:
"كافر همه را به كيش خود پندارد"أي"إنّ الكافر يحسب النّاس جميعا أنّهم على دينه".
وسادسا: أنّ اللّه كما رفض الاستكبار في الأرض رفض الاستضعاف أيضا وأنّه ذنب يؤاخذ به المستضعفون إلّا من لا حيلة له، فحتّم عليهم التّخلّي عن الاستضعاف بالهجرة، والتّوكّل على اللّه ومواجهة الطّاغية، كما ضمّ إليه البشرى للمؤمنين بأنّ أمر المستعلي والمستكبر سيؤول إلى الانهيار، وأنّ الأرض للّه سيورثها للمستضعفين الصّالحين، ويجعلهم أئمّة، ويجعلهم الوارثين.
وسابعا: أنّه لم يكلّف المستضعفين أنفسهم بأن ينسلخوا ويتجرّدوا من جلباب الاستضعاف فحسب بل كلّف به المؤمنين، فأمرهم بأن يقاتلوا في سبيل هؤلاء المستضعفين بقوله: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ...
النّساء: 75، إشعارا بأنّ ذلك قتال في سبيل اللّه.
وثامنا: قد جمع القرآن في غير آية بين الاستكبار والاستضعاف، مشعرا بأنّهما لا يفترقان؛ فمهما وجد في الأرض استكبار فسيوجد بجانبه استضعاف، وكما قال الإمام عليّ عليه السّلام:"ما رأيت نعمة موفورة إلّا وبجانبها حقّ مضيّع". وأنّ النّضال بين المستكبرين والمستضعفين شي ء مستمرّ. وتمام الكلام في"ك ب ر"و"ض ع ف".
وتاسعا: جاء الاستضعاف في"4"آيات، والعلوّ والاستكبار والمرح في"12"آية، أي ثلاثة أضعافه، وهذا إن دلّ على شي ء فإنّما يدلّ على أنّ هذه الأمور تصدر في الأرض من الطّغاة أضعاف ما يصدر الاستضعاف من المستضعفين، وأنّه رأس الإثم، ولهم الحظّ الأوفى من هذه الجرثومة الاجتماعيّة، من دون أن نعذر الّذين تحمّلوا الاستضعاف بسبب هؤلاء الطّغاة.
المبحث الثّامن: العثوّ في الأرض"5"مرّات:
1 و2 - وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*
البقرة: 60، الأعراف: 74
3 و4 - وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* هود: 85، الشّعراء: 183
5 -وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ العنكبوت: 36
ويلاحظ أوّلا: أنّ العثوّ- وهو بمعنى أشدّ الإفساد- جاء دائما مع الإفساد في سياق واحد وهو وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* أي بتوجيه النّهي إليهم مباشرة مع تقييد العثوّ بقوله: فِي الْأَرْضِ* وبقوله:
مُفْسِدِينَ* مشعرا بأنّ تلك الأقوام- وهم قوم موسى وصالح وشعيب- بلغوا في الفساد أوجه، وأنّه لم يكن فسادهم خاصّا بموطنهم فحسب، بل كان يسري إلى