قلت: لكن ما أثبتناه من ترجيح الوجه الثاني هو ما ذهب إليه أبو حاتم، وابن حجر، وما اقتضاه أيضاً سير البحث، والعلم عند الله تعالي.
الحديث بإسناد الطبراني ــــ الوجه الأول المرجوح ــــ "إسناده شاذ" وذلك لمخالفة الثقة لما رواه الأكثرية.
وأما الحديث بالوجه ــــ الثاني ــــ الراجح "إسناده صحيح " وأخرجه الحاكم في المستدرك من الوجه الراجح وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (١)
قال الطبراني رحمه الله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ إِلَّا سَعِيدٌ.
قال القاسم بن سلام: قَوْله: لَا يدارئ وَلَا يُمَارِي فَإِن المدارأة هَهُنَا مَهْمُوز من دارأت وَهِي المشاغبة والمخالفة على صَاحبك. وَمِنْهَا قَول اللَّه عز وَجل {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} (٢) يَعْنِي اخْتلَافهمْ فِي الْقَتِيل. (٣) وقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: تُدَارِي مَهْمُوزٌ مِنْ الْمُدَارَاةِ، وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ. وَتُمَارِي غَيْرُ مَهْمُوزٍ مِنْ الْمُمَارَاةِ، وَهِيَ الْمُجَادَلَة. (٤) وقال الطبري: كُنْتَ لَا تُمَارِي وَلَا تُدَارِي. يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تُدَارِي: لَا تُخَالِفُ رَفِيقَكَ وَشَرِيكَكَ وَلَا تُنَازِعُهُ وَلَا تُشَارِهِ. (٥) وقال ابن الملقن: يدارئ مَهْمُوز وَمَعْنَاهُ: يشاغب وَيُخَالف صَاحبه، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ. وَقَالَ الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : الرِّوَايَة يُدَارِي بِغَيْر همزَة ليزواج يُمَارِي. وَعبارَة ابْن الْأَثِير: المماراة المجادلة والملاحاة. قَالَ: وَوَقع فِي رِوَايَة «كنت لَا تشاري» . وَقَالَ: وَهِي الملاحاة. قَالَ: والمداراة المدافعة. (٦)
قال ابن مفلح رحمه الله: الْمِرَاءُ فِي اللُّغَةِ الْجِدَالُ يُقَال: مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً، أَيْ: جَادَلَ. وَتَفْسِيرُ الْمِرَاءِ فِي اللُّغَةِ اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَيْتُ الشَّاةَ إذَا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَهَا. وَتُدَارِينِي مِنْ الْمُدَارَاةِ بِلَا هَمْزٍ وَرُوِيَ بِالْهَمْزِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ: لَا تُمَارِيَنَّ حَكِيمًا، وَلَا تُجَادِلَنَّ لَجُوجًا، وَلَا تُعَاشِرَنَّ ظَلُومًا، وَلَا تُصَاحِبَنَّ مُتَّهَمًا. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ مَنْ قَصَّرَ فِي الْخُصُومَةِ خَصِمَ، وَمَنْ بَالَغَ فِيهَا أَثِمَ، فَقُلْ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ فَلَا تُبَالِ مَنْ غَضِبَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَفَى بِكَ ظَالِمًا
(١) يُنظر "المستدرك" ٢/ ٧٠.
(٢) يُنظر سورة البقرة آية رقم: ٧٢.
(٣) يُنظر "غريب الحديث" للقاسم بن سلام ١/ ٣٣٧.
(٤) يُنظر نصب الراية" للزيلعي ٣/ ٤٧٤.
(٥) يُنظر "تفسير الطبري" ٢/ ١١٨.
(٦) يُنظر "البدر المنير" لابن الملقن ٦/ ٧٣٢.