١) رواية الأكثر عدداً: فقد رواه بالوجه الأول اثنان من الرواة وهذا بخلاف الوجه الثاني. إضافة إلي أنَّ مالك بن أنس رأس المُتقنين وكبير المُتَثَبتين رواه بالوجه الأول. (١)
قلت: وللحديث شواهد في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ. (٢)
قال ابن الأثير رحمه الله: الفِرْسِن: عَظْمٌ قَليل اللَّحْم، وَهُوَ خُفُّ البَعير، كالحَافر لِلدَّابَّةِ، وَقَدْ يُسْتَعار لِلشَّاةِ فيُقال فِرْسِن شَاةٍ، وَالَّذِي للشَّاة هُوَ الظِّلْف. وَالنُّونُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ أَصْ??ِيَّةٌ. (٣)
قال النووي رحمه الله: وَهَذَا النَّهْيُ عَنِ الِاحْتِقَارِ نَهْيٌ لِلْمُعْطِيَةِ الْمُهْدِيَةِ وَمَعْنَاهُ لَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا لِاسْتِقْلَالِهَا وَاحْتِقَارِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا بَلْ تَجُودُ بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَفِرْسِنِ شَاةٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) } (٤) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- اتقوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (٥) . قَالَ الْقَاضِي: هَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الظَّاهِرُ. قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيًا لِلْمُعْطَاةِ عَنِ الِاحْتِقَارِ. (٦)
وقال ابن حجر: وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ اخْتِصَارًا لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَعْرِفُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ أَنْ تُهْدِيَ إِلَى جَارَتِهَا شَيْئًا وَلَوْ أَنَّهَا تُهْدِي لَهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْغَالِبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّحَابُبِ وَالتَّوَادُدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لِتُوَادِدِ الْجَارَةُ جَارَتَهَا بِهَدِيَّةٍ وَلَوْ حَقِرَتْ فَيَتَسَاوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَخُصَّ النَّهْيُ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ مَوَارِدُ الْمَوَدَّةِ وَالْبَغْضَاءِ وَلِأَنَّهُنَّ أَسْرَعُ انْفِعَالًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. (٧)
(١) يُنظر "التقريب" صـ ٤٤٩.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" ك/ الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا (٢٥٦٦) ، وفي ك/ الأدب ب/ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا (٦٠١٧) ، ومسلم في "صحيحه" ك/ الزكاة ب/ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلَوْ بِالْقَلِيلِ وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْقَلِيلِ لِاحْتِقَارِهِ (١٠٣٠) .
(٣) يُنظر "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير ٣/ ٤٢٩.
(٤) سورة الزلزلة آية رقم: ٧.
(٥) أخرجه البخاري في "صحيحه" ك/ الزكاة ب/ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ (٢/ ١٠٩ رقم ١٤١٧) ، ومسلم في "صحيحه" ك/ الزكاة ب/ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ (٢/ ٧٠٤ رقم ١٠١٦) بسنده عن عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ، وزاد مسلم: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.
(٦) يُنظر "شرح صحيح مسلم" للنووي ٧/ ١٢٠، ١١٩.
(٧) يُنظر "فتح الباري" لابن حجر ١٠/ ٤٤٥.