قال الزمخشريّ [1] : وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد.
ومثاله من الغيبة إلى الخطاب: {وَقََالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمََنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) }
[مريم: 88، 89] . {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنََّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ}
[الأنعام: 6] . {وَسَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََابًا طَهُورًا إِنَّ هََذََا كََانَ لَكُمْ جَزََاءً} [الإنسان: 21، 22] ، {إِنْ أَرََادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهََا خََالِصَةً لَكَ} [الأحزاب: 50] .
ومن محاسنه ما وقع في سورة الفاتحة: فإنّ العبد إذا ذكر الله تعالى وحده، ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال، وآخرها: {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) }
المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذا صفاته: بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات.
وقيل: إنما اختير لفظ الغيبة للحمد، وللعبادة الخطاب، للإشارة إلى أنّ الحمد دون العبادة في الرتبة لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده، فاستعمل لفظ (الحمد) مع الغيبة، ولفظ (العبادة) مع الخطاب، لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ما هو أعلى رتبة، وذلك على طريقة التأدّب.
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مصرّحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا، ولم يقل: (صراط المنعم عليهم) فلمّا صار إلى ذكر الغضب زوى عنه لفظه، فلم ينسبه إليه لفظا، وجاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فلم يقل: (غير الذين غضبت عليهم) تفاديا عن نسبة الغضب إليه في اللّفظ حال المواجهة.
وقيل: لأنه لمّا ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ومالكا ليوم الدين تعلّق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بأن يكون معبودا دون غيره، مستعانا به، فخوطب بذلك لتميّزه بالصفات المذكورة تعظيما لشأنه حتى كأنه قيل: إيّاك يا من هذه صفاته نخصّ بالعبادة والاستعانة، لا غيرك.
قيل: ومن لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه وتعالى، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته، وقيام حجاب العظمة عليهم فإذا عرفوه بما هو له، وتوسّلوا للقرب بالثناء عليه، وأقرّوا بالمحامد له وتعبّدوا له بما يليق بهم، تأهّلوا لمخاطباته
(1) الكشاف 2/ 437و 3/ 53.