فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 626

وقال الراغب: إنّ الله تعالى كما جعل نبوّة النبيين بنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم مختتمة، وشرائعهم بشريعته من وجه منتسخة، ومن وجه مكمّلة متممة، جعل كتابه المنزّل عليه متضمّنا لثمرة كتبه التي أولاها أولئك، كما نبه عليه بقوله: {يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهََا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) } [البينة: 2، 3] . وجعل من معجزة هذا الكتاب: أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجمّ، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبّه عليه بقوله: {وَلَوْ أَنَّ مََا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلََامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اللََّهِ} [لقمان: 27] فهو وإن كان لا يخلو للناظر فيه من نور ما يريه ونفع ما يوليه:

كالبدر من حيث التفتّ رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

كالشّمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

وأخرج أبو نعيم وغيره، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: قيل لموسى عليه السلام: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن كلما مخضته أخرجت زبدته.

وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ في «قانون التأويل» [1] : علوم القرآن خمسون علما، وأربعمائة علم، وسبعة آلاف علم، وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن، مضروبة في أربعة، إذ لكلّ كلمة ظهر وبطن، وحدّ ومطلع، وهذا مطلق دون اعتبار تركيب وما بينها من روابط، وهذا ما لا يحصى، ولا يعلمه إلّا الله.

قال: وأمّا علوم القرآن فثلاثة: توحيد، وتذكير، وأحكام: فالتوحيد يدخل فيه معرفة المخلوقات، ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله. والتذكير منه الوعد والوعيد، والجنّة والنار، وتصفية الظاهر والباطن. والأحكام، منها التكاليف كلها، وتبيين المنافع والمضارّ، والأمر والنهي والنّدب. ولذلك كانت الفاتحة أمّ القرآن لأن فيها الأقسام الثلاثة، وسورة الإخلاص لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة، وهو التوحيد.

وقال ابن جرير [2] : القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء: التوحيد، والإخبار، والدّيانات، ولهذا كانت سورة الإخلاص ثلثه لأنها تشمل التوحيد كلّه.

(1) نقله في البرهان 1/ 1716.

(2) انظر البرهان 1/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت