حجة النبي المبعوث، وتلك الكتب لم تكن معجزة، ولا كانت حجج أولئك الأنبياء، بل كانت دعوتهم والحجج غيرها، لكان ذلك أيضا نظير ما مضى.
وقد يقال: إنّ سورة أفضل من سورة لأنّ الله جعل قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال: إنّ يوما أفضل من يوم، وشهرا أفضل من شهر.
بمعنى: العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره، والذنب فيه أعظم منه في غيره، وكما يقال: إنّ الحرم أفضل من الحلّ لأنه يتأدّى فيه من المناسك ما لا يتأدّى في غيره.
والصّلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره. انتهى كلام الحليميّ.
وقال ابن التين في حديث البخاريّ: «لأعلّمنك سورة هي أعظم السور» [1] معناه: أنّ ثوابها أعظم من غيرها [2] .
وقال غيره: إنما كانت أعظم السّور لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذلك سمّيت: أم القرآن [3] .
وقال الحسن البصريّ [4] : إنّ الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزّلة. أخرجه البيهقيّ.
وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرره الزمخشري [5] ، باشتمالها: على الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وعلى التعبّد بالأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد وآيات القرآن لا تخلو عن أحد هذه الأمور.
وقال الإمام فخر الدين: المقصود من القرآن كلّه تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوّات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى. فقوله: {الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ (2) } [الفاتحة: 2] يدلّ على الإلهيات، وقوله: {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } ، يدلّ على
(1) سبق تخريجه.
(2) انظر فتح الباري 8/ 158.
(3) المصدر السابق.
(4) رواه البيهقي في الشعب 2/ 451450وفي سنده ضعف فيه: الربيع بن صبيح: ضعيف. انظر التقريب 1/ 245، والكاشف 1/ 236.
(5) في الكشاف 1/ 23، ولي رسالة لطيفة بشرح وتفسير سورة الفاتحة. فلتنظر.