المعاد، وقوله: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } يدلّ على نفي الجبر، وعلى إثبات أنّ الكلّ بقضاء الله وقدره، وقوله: {اهْدِنَا الصِّرََاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } إلى آخر السورة يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوّات. فلمّا كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وهذه السورة مشتملة عليها، سمّيت: أم القرآن.
وقال البيضاوي [1] : هي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية، التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء، ومنازل الأشقياء.
وقال الطّيبيّ: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين:
أحدها: علم الأصول، ومعاقدة معرفة الله تعالى وصفاته، وإليها الإشارة بقوله:
{الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ (2) الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ (3) } . ومعرفة النبوة، وهي المرادة بقوله:
{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} . ومعرفة المعاد، وهو المومى إليه بقوله: {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } .
وثانيها: علم الفروع، وأسّه العبادات، وهو المراد بقوله: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ} .
وثالثها: علم ما يحصل به الكمال وهو علم الأخلاق، وأجلّه الوصول إلى الحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية والسلوك لطريقه، والاستقامة فيها. وإليه الإشارة بقوله: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرََاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } .
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة، والقرون الخالية، السعداء منهم والأشقياء، وما يتّصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم. وهو المراد بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضََّالِّينَ} .
وقال الغزاليّ: مقاصد القرآن ستة: ثلاثة مهمّة، وثلاثة متمّة:
الأولى: تعريف المدعو إليه: كما أشير إليه بصدرها، وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرّح به فيها، وتعريف الحال عند الرّجوع إليه تعالى وهو الآخرة، كما أشير إليه ب {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } .
والأخرى: تعريف احوال المطيعين: كما أشير إليه بقوله {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
وحكاية أقوال الجاحدين، وقد أشير إليها ب {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضََّالِّينَ} ، وتعريف
(1) في تفسيره 1/ 8.