قيام الساعة، وتفسير الرّوح، والحروف المقطّعة، وكلّ متشابه في القرآن عند أهل الحقّ، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلّا بالتوقيف، بنص من القرآن أو الحديث أو إجماع الأمة على تأويله.
وأمّا ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم: فهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل وتخصيص العموم، وكلّ لفظ احتمل معنيين فصاعدا: فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي فإن كل أحد المعنيين أظهر وجب الحمل عليه، إلّا أن يقوم دليل على أنّ المراد هو الخفيّ. وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية فالحمل على الشرعية أولى، إلّا أن يدلّ دليل على إرادة اللغوية، كما في: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلََاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] .
ولو كان في أحدهما عرفية والأخر لغوية: فالحمل على العرفية أولى، لأنّ الشرع ألزم، فإن تنافى اجتماعهما، ولم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء للحيض والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنّه فهو مراد الله تعالى في حقّه. وإن لم يظهر له شيء، فهل يتخيّر في الحمل على أيّهما شاء، أو يأخذ بالأغلظ حكما، أو بالأخفّ؟ أقوال. وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، إلّا إن دل دليل على إرادة أحدهما.
إذا عرف ذلك: فينزّل حديث: «من تكلم في القرآن برأيه» [1] على قسمين من هذه الأربعة:
أحدها: تفسير اللفظ، لاحتياج المفسّر له إلى التبحّر في معرفة لسان العرب.
والثاني: حمل اللّفظ المحتمل على أحد معنييه، لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم، والتبحّر في العربية واللغة، ومن الأصول ما يدرك به حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنّهي والخبر، والمجمل والمبيّن، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيّد، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤوّل، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، ومن [علوم] [2]
الفروع ما يدرك به الاستنباط.
(1) سبق تخريجه 2/ 445.
(2) ما بين القوسين زيادة من البرهان 2/ 168.