شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده، ظانّا أنّ له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضََّالِّينَ} نحو عشرة أقوال. وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وجميع الصحابة والتابعين، وأتباعهم حتى قال ابن أبي حاتم [1] : لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.
ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كلّ منهم يقتصر في تفسيره على الفنّ الذي يغلب عليه:
فالنحويّ: تراه ليس له همّ إلّا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافيّاته، كالزّجّاج، والواحدي في «البسيط» ، وأبي حيّان في «البحر» ، و «النهر» .
والأخباري: ليس له شغل إلّا القصص واستيفاؤها، والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبيّ.
والفقيه: يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمّهات الأولاد وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق بها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقلية خصوصا الإمام فخر الدين قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية.
قال أبو حيان في «البحر» : جمع الإمام الرازيّ في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ولذلك قال بعض العلماء: فيه كلّ شيء إلّا التفسير.
والمبتدع: ليس له قصد إلّا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال سارع إليه. قال البلقينيّ: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش، من قوله تعالى في تفسير: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النََّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فََازَ} [آل عمران: 185] : وأيّ فوز أعظم من دخول الجنة! أشار به إلى عدم الرؤية [2] .
(1) في تفسيره 1/ 23.
(2) انظر رسالتي «رؤية الله في الآخرة» وهي موجودة ضمن سلسلة عقائد أئمة السلف صدر عن دار الكتاب العربي.