ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، وبالفقه وأصوله، والعربيّة وله فيها اليد الطولى، وبعلم السلوك وكلام أهل التصوّف، ونقده وتصحيحه.
قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ:"وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجّد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألّه ولهج بالذكر، وشغف بالمحبّة والإنابة والافتقار إلى الله تعالى، والانكسار له، والاطّراح بين يديه على عتبة عبوديّته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والحديث والسنّة وحقائق الإيمان منه، وليس بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله، وقد امتحن وأوذي مرّات، وحبس مع الشيخ تقيّ الدين في المرّة الأخيره بالقلعة منفردًا عنه، ولم يفرج عنه إلاّ بعد موت الشيخ، وكان في مدّة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن، وبالتدبّر والتفكّر، ففتح عليه من ذلك خير كثير .."، أخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، ودرّس بالصدريّة، وأمّ بالجوزيّة مدّة طويله، وكتب بخطّه ما لا يوصف كثرة، وصنّف تصانيف كثيرة جدًّا في أنواع العلوم، وقد اعتنى به الشيخ، وخصّه ببعض الدرر من النصائح والفوائد والتوجيهات، توفي رحمه الله ثالث عشر رجب، سنة إحدى وخمسين وسبع مئة [1] .
أثر اختيارات الشيخ وترجيحاته على ابن القيّم:
سبق أنّ الإمام ابن القيّم ـ رحمه الله ـ من أخصّ تلاميذ الشيخ، وأكثرهم ملازمة له، فلا غرابة أن يكون أكثرهم تأثّرًا به، بل غلا بعضهم فذكر أنّ ابن القيّم ما هو إلاّ"نسخة مكرّرة من شيخه"، وأنّ:"شخصيته ذابت في شخصيّة شيخه"على حدّ تعبيرهم [2] . وأصل هذه المقالة، صدرت ـ بأدب ـ من الحافظ
(1) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/ 448، وشذرات الذهب: 6/ 168، 170، وابن قيّم الجوزيّة: حياته وآثاره لبكر أبو زيد (بيروت: المكتب الإسلاميّ) .
(2) قائل ذلك هو زاهد الكوثريّ ـ عامله الله بما يستحقّ ـ، فإنّه قال في كتابه (حاشية السيف الصقيل ص: 192) :"ويجد القارئ في كتابنا هذا الردّ على ابن تيميّة، كما يجد فيه الردّ على ابن القيّم، باعتبار أنّ الثاني إنّما يردّد صدى الأوّل في أبحاثه كلّها دون أن تكون له شخصيّة خاصّة، بل هو ظلّ الأوّل في كلّ آرائه، وجميع أهوائه، فلينتظمهما الردّ".
وليس ذلك منه بغريب، وقد امتلأ صدره غيظًا على ابن القيّم وشيخه لتصدّيهما لأهل البدع، حتّى قال في مقالاته:"وقد سئمت من تتبّع مخازي هذا الرجل المسكين الذي ضاعت مواهبه في شتّى البدع وفي تكملتنا على السيف الصقيل ما يشفي غلّة كلّ غليل في تعقّب مخازي ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم". (مقالات الكوثري(حمص: مطبعة الأندلس) : ص 399