كان الحقّ لهم ـ إنّ في ذلك إكرامًا لهم، وتجريئًا على انتهاك أحكام الله، والجرأة على حكّام المسلمين، مع ما في ذلك من تحقيق بعض أغراضهم الخبيثة، وإنّ الإعراض عنهم لهو مقتضى الصغار والإذلال لهم.
-قولهم: إنّ ذلك مقتضى النظر .. يجاب عنه ـ إضافة إلى ما سبق ـ بأنّ التعليل بالخلاف لا يصحّ، فكون العلماء مختلفين في الإعراض عنهم، لا يصحّ دليلًا على النسخ، فإنّ هذا هو محلّ النزاع، فكيف يكون دليلًا لقطع النزاع.
26، 27 ـ قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أنّ ... النفس بالنفس .. } [المائدة:45] .
فيه مسألتان:
-إحداهما: حكم قتل المسلم بالذمّيّ.
-والثانية: حكم قتل الحرّ بالعبد.
المسألة الأولى: حكم قتل المسلم بالذمّيّ:
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ المسلم لا يُقتل بالذمّيّ، خلافًا للحنفية ومن وافقهم، الذين استدلّوا بعموم هذه الآية على أنّ المسلم يقتل بالذمّيّ.
قال الشيخ ـ مبيّنًا هذه المسألة ـ:"فإنّه يقال: الذي كُتِب عليهم: أنّ النفس منهم بالنفس منهم، وهم كلّهم كانوا مؤمنين، لم يكن فيهم كافر، ولم يكن في شريعتهم إبقاء كافر بينهم، لا بجزية، ولا غيرها. وهذا مثل شرع محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّ المسلمين تتكافأ دماؤهم. وليس في الشريعتين أنّ دم الكافر يكافئ دم المسلم، بل جَعْل الإيمان هو الواجب للمكافآت، دليل على انتفاء ذلك في الكافر ـ سواء كان ذمّيًّا، أو مستأمنًا ـ لانتفاء الإيمان الواجب للمكافأة فيه .." [1] .
(1) مجموع الفتاوى: 14/ 85.