أمّا ما انفرد به الشيخ ـ رحمه الله ـ فهو معنى حسن، يناسب سياق الآية، فإنّ الله بدأها بذمّ المكذّبين بآياته، الصادّين عنها، ثمّ جعل الوعيد للصادّ عنها دون المكذّب. وعبّر عن ذلك بالفعل المضارع (يصدفون) الدالّ على الاستمرار والتجدّد والإصرار. وذلك أنّ المكذّب إذا لم يعرض عن آيات الله، بل أقبل، وتدبّرها، رجي له الإيمان والهدى. أمّا من أعرض عن آيات الله، وأصرّ على ذلك؛ فإنّه بعيد عن الإيمان ـ إلا أن يشاء الله ـ، ولذا استحقّ هذا الوعيد بسبب إصراره. وقد صرّح الله ـ عزّ وجلّ ـ بهذا المعنى في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: {ومن ... أظلم ممّن ... ذُكّر بايت ربّه فأعرض عنها ونسي ... ما قدّمت يداه .. } [الكهف: 57] ، وقوله: {ومن ... أظلم ممّن ... ذُكّر بايت ربّه ثمّ أعرض عنها إنّا من ... المجرمين منتقمون ... } [السجدة: 22] . والله تعالى أعلم.
57 ـ قوله تعالى: {من ... جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن ... جاء بالسيئة فلا يجزى ... إلا مثلها وهم لا يظلمون ... } [الأنعام: 160] .
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ في معنى الحسنة والسيئة، في هذه الآية ومثيلاتها [1] : ما ذكره عامّة السلف، من الصحابة والتابعين: أنّ الحسنة هي كلمة التوحيد. والسيئة هي كلمة الإشراك. وقد ذكر الشيخ أنّ ذلك مرويّ عن عبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وعليّ بن الحسين [2] ، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء، ومجاهد، والنخعيّ، والضحّاك، والزهريّ،
(1) كقوله تعالى: {من ... جاء بالحسنة فله خير منها وهم من ... فزع يومئذٍ ءامنون ... * ومن ... جاء بالسيئة فكبّت وجوههم في ... النار .. } [النمل: 89، 90] ، وقوله: {من ... جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ... الذين ... عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ... } [القصص: 84] .
(2) هو عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، زين العابدين، الهاشميّ، العلويّ، أبو الحسين، وقيل: أبو الحسن. حدّث عن أبيه، وعن أبي هريرة. حدّث عنه: الزهريّ، وعمرو بن دينار. مات سنة: أربع وتسعين. (ينظر: التاريخ الكبير: 6/ 266، وسير أعلام النبلاء: 4/ 386) .