وكان ذلك مبتدا أمره بعد وفاة والده، وكان له آنذاك إحدى وعشرين سنة، فقام مقام والده في التدريس، وحضر عنده جمع من القضاة والمشايخ، وألقى درسًا في البسملة ـ وهو مشهور بين الناس ـ فعظّمه الحاضرون، وأثنوا عليه ثناءً كثيرًا [1] .
ثمّ تلا ذلك جلوسه بالجامع أيّام الجمع لتفسير القرآن العظيم من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقّف، ولا تلعثم، وبصوت جهوريّ فصيح [2] .
قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ:"ثمّ جلس تقيّ الدين المذكور أيضًا يوم الجمعة، عاشر صفر بالجامع الأمويّ، بعد صلاة الجمعة، على منبر قد هُيّيء له لتفسير القرآن"
العزيز، فابتدأ من أوّله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير، والجمّ الغفير. ومن كثرة ما كان يورد من العلوم المتنوّعة المحرّرة، مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان، واستمرّ على ذلك مدّة سنين متطاولة" [3] ."
وقد ذكر الحافظ الذهبيّ ـ رحمه الله ـ أنّ الشيخ ـ رحمه الله ـ كان آية من آيات الله في التفسير، والتوسّع فيه، وربّما بقي في تفسير الآية الواحدة المجلس والمجلسين [4] ، بل ذكر أنّه بقي يفسّر في سورة نوح عدّة سنين، أيّام الجُمَع [5] .
سبق أنّ الشيخ ـ رحمه الله ـ كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين كما قال الحافظ الذهبيّ وغيره، لكنّه كان من الأذكياء الأزكياء الذين سخّروا ذكاءهم لما فيه نفع الأمّة، ومن ذلك: غوصه في
(1) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/ 388، والمنهج الأحمد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لمجير الدين العليمي (بيروت: مؤسّسة الرسالة) : 5/ 26.
(2) ينظر: طبقات علماء الحديث: 4/ 283.
(3) البداية والنهاية: 17/ 593.
(4) ينظر: ذيل تاريخ الإسلام نقلًا عن الجامع لسيرة الشيخ: ص 268.
(5) ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: 2/ 389.