54 ـ قوله تعالى: {قل لا أجد في ... ما أوحي ... إليّ ... محرّمًا على ... طاعم يطعمه إلا أن ... يكون ... ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير .. } [الأنعام: 145] .
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ هذه الآية ليست منسوخة. وإنّما نفت تحريم ما سوى المستثنى، ولم تثبت حِلّ ما سواه. وأنّ بين نفي التحريم، وإثبات الحِلّ مرتبة تسمّى مرتبة العفو. ورفع العفو ليس بنسخ [1] .
واستدلّ لذلك بما يلي:
1.قوله تعالى: في سورة المائدة: {اليوم أحلّ لكم الطيّبات .. } [المائدة: 5] . والمائدة نزلت بعد الأنعام بسنين، فلو كانت آية الأنعام تضمّنت ما سوى المستثنى؛ ما قيّد الحلّ بقوله: (اليوم اُحلّ لكم) .
2.ما روي عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أنّه قال:"الحلال ما حلّله الله في كتابه، والحرام ما حرّمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه" [2] .
ثمّ قال ـ رحمه الله ـ:"ومن فهم هذا، استراح من اضطراب الناس في هذا المقام، مثل كون آية الأنعام واردة على سبب، فتكون مخصوصة به، أو معرّضة للتخصيص. ومثل كونها منسوخة نسخًا شرعيًّا بالأحاديث، بناء على جواز نسخ القرآن بالخبر المتلقّى بالقبول، أو الصحيح مطلقًا. ولقد زلّ هنا مستدلًا، ومستشكلًا، ومن اعتقد أنّ آية الأنعام من آخر القرآن"
(1) ينظر: الفتاوى الكبرى: 3/ 309، ودقائق التفسير: 2/ 15.
(2) أخرجه الترمذيّ في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء: ص 523، برقم: 1730، وابن ماجه في أبواب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن: 2/ 252، برقم: 3410، والطبرانيّ في الكبير: 6/ 250، برقم: 6124، والحاكم في المستدرك: 4/ 129، برقم: 7115، وصحّحه، والديلميّ في الفردوس: 2/ 158، برقم: 2800، والبيهقيّ في السنن الكبرى: 10/ 12، كلّهم بلفظ"الحلال ما أحلّه الله ..". وقد صحّح الترمذيّ وقفه، وذكر في كتابه (العلل: 1/ 281) أنّه سأل الإمام البخاريّ عن هذا الحديث، فقال:"ما أراه محفوظًا". ورجّح ابن أبي حاتم في علل الحديث (2/ 10) : إرساله. وقال:"هو خطأ". وقال أحمد:"هو منكر". وأنكره ابن معين أيضًا. ينظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب: ص 243. وضعّفه الألبانيّ كما في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام (بيروت: المكتب الإسلامي) : ص 15. وروي من وجه آخر بلفظ:"ما أحلّ الله في كتابه، فهو حلال. وما حرّم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته، فإنّ الله لم يكن لينسى شيئًا". ينظر: مجمع الزوائد: 1/ 171. وعزاه إلى البزّار، والطبرانيّ في الكبير. وقال:"وإسناده حسن، ورجاله موثقون".