45 ـ قوله تعالى: { .. أنّه من ... عمل منكم سوءًا بجهلة ثمّ تاب من بعده وأصلح فأنّه غفور رحيم} [الأنعام:54] .
ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ عن الزجّاج وطائفة، في هذه الآية ونحوها [1] : أنّ الفصل لمّا طال بين (أنّ) واسمها وخبرها، أعاد (أنّ) لتقع على الخبر، لتأكيده بها.
ثمّ اختار الشيخ مسلكًا آخر، فقال:"وأحسن من هذا أن يقال: كلّ واحدة من هاتين الجملتين، جملة شرطيّة مركّبة من جملتين جزئيتين، فأكّدت الجملة الشرطيّة بـ (أنّ) ، على حدّ تأكيدها في قول الشاعر:"
إنّ من يدخل الكنيسة يومًا ... يلق فيها جآذرًا وظباءًا [2]
ثمّ أكّدت الجملة الجزائيّة بـ (أنّ) إذ هي المقصودة، على حدّ تأكيدها في قوله تعالى: {والذين ... يمسّكون ... بالكتب وأقاموا الصلوة إنّا لا نضيع أجر المصلحين} [الأعراف:170] " [3] ."
فعلى القول الأوّل، يكون التأكيد واحدًا، لمعنى واحد. وعلى القول الثاني الذي استحسنه الشيخ، فهما تأكيدان مقصودان، لمعنيين مختلفين.
وقد أجاب الشيخ عمّا ذكروه من طول الفصل بين (أنّ) واسمها وخبرها، بأنّه منتقض بمثل قوله تعالى: { .. إنّه من ... يتق ويصبر فإنّ ... الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف:90] ، حيث أعيدت (إنّ) ، مع أنّ الفصل لم يطل.
(1) مثل قوله تعالى: {أيعدكم أنّكم إذا متّم وكنتم ترابًا وعظمًا أنّكم مخرجون ... } [المؤمنون: 35] ، وقوله تعالى: {ألم يعلموا أنّه من ... يحادد الله ورسوله فأنّ ... له نار جهنّم خالدًا فيها .. } [التوبة: 63] .
(2) هذا البيت للأخطل، وليس في ديوانه. ينظر: خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب للبغدادي (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 1/ 435، والمعجّم المفصّل في شواهد اللغة العربيّة إعداد: د. إميل بديع يعقوب (بيروت: دار الكتب العلميّة) : 1/ 17. والجآذر: جمع جُؤذَر، وهي بقرة الوحش.
(3) مجموع الفتاوى: 15/ 277، ودقائق التفسير: 2/ 377.