ارتاب فيما جاء به. فكلّ مكذّب بما جاء به، فهو كافر. وقد يكون كافرًا من لا يكذّبه إذا لم يؤمن به" [1] ."
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ ـ رحمه الله ـ بالإشارة إلى هذا المعنى دون سائر المفسّرين، فلم أر ـ حسب اطّلاعي ـ أحدًا أشار إليه. وإنّما اختلفوا في معنى الصدف: هل هو لازم، أم متعدٍ. فذهب عامّة المفسّرين ـ من المتقدّمين وبعض المتأخّرين ـ إلى أنّه لازم: (صدف عنها) ، أي: أعرض عنها ولم يتدبّرها، ولم يتعرّف على حقيقتها، فيؤمن بما دلّت عليه من توحيد الله، وصدق الرسالة. وهذا القول مرويّ عن ابن عبّاس، وقتادة، ومجاهد [2] . وهو ظاهر اختيار الشيخ كما يفهم من سياق كلامه.
وقالوا: هو نظير قوله تعالى: {فلا صدّق ولا صلّى ... * ولكن ... كّذب وتولّى ... } [القيامة: 31، 32] .
واختار بعض المتقدّمين، وكثير من المتأخرين أنّ الصدف متعدٍ. والمعنى: يصدّون غيرهم عن اتّباع آيات الله [3] . وهو مروي عن السدي [4] . وقالوا: هذا نظير قوله تعالى: {وهم ينهون ... عنه وينئون ... عنه} [الأنعام: 26] ، وقوله: {الذين ... كفروا وصدّوا عن ... سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ... } [النحل: 88] .
والأظهر أنّ الآية محتملة للمعنيين، إذ لا تعارض بينهما. وهو ما أشار إليه بعض المفسّرين، كأبي حيّان من المتقدّمين [5] ، وتبعه بعض المتأخرين [6] .
(1) درء تعارض العقل والنقل: 1/ 56، والفتاوى الكبرى: 1/ 458.
(2) ينظر: جامع البيان: 5/ 404، ومعالم التنزيل: 3/ 206، والمحرّر الوجيز: 5/ 405، والمفردات للراغب: ص 280، والترجمان والدليل لآيات التنزيل للشنقيطيّ (الرياض: دار روضة الصغير) : 1/ 351.
(3) ينظر: الكشّاف: 2/ 49، وتفسير القرآن العظيم: 2/ 192، وإرشاد العقل السليم: 3/ 203، وروح المعاني: 8/ 62، وأضواء البيان: 2/ 282، 283.
(4) ينظر: جامع البيان: 5/ 404.
(5) ينظر: البحر المحيط: 4/ 258.
(6) ينظر: فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية من علم التفسير للشوكانيّ (دمشق، بيروت: دار ابن كثير، دار الكلم الطيّب) : 2/ 205، وتيسير الكريم الرحمن: 2/ 507.