وأمّا من قال إنّ المراد: الذين يتّقون المعاصي، فهو قول مجمل، يحتمل جميع المعاصي والذنوب، صغيرها وكبيرها. وهذا يفضي إلى اشتراط العصمة في حقّ غير الأنبياء، ولم يقل به أحد من أهل السنّة.
ويحتمل أن يكون المراد: كبائر الذنوب، وأنّ من أصرّ على شيء منها فهو كافر عند الخوارج. وفي منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة. وفي الآخرة مخلّد في نار جهنّم عند الطائفتين. وهذا القول مخالف لإجماع أهل السنّة والجماعة على أنّ مرتكب الكبيرة، المصرّ عليها، لا يخرج عن دائرة الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وأنّه في الآخرة تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذّبه.
ومن الأدلّة على ذلك: حديث الرجل الذي يلقّب حمارًا [1] وكان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهمّ العنه، ما أكثر ما يؤتى به!. فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنّه يحب الله ورسوله" [2] . فلم يخرجه النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من الملّة على الرغم من إصراره على شرب الخمر، بل نهى عن لعنه، لما وقر في قلبه من حبّ الله ورسوله. هذا مع ما صحّ عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من لعن شارب الخمر.
ومن الأدلّة أيضًا: ما ورد في أحاديث الشفاعة من إخراج أهل الكبائر من النار، حتّى يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان [3] .
وممّا يدلّ على ما ذهب إليه الشيخ من ترجيح عدم العموم في الآية: سياق الآيات؛ فإنّ الحديث فيها كان عن عمل واحد، وهو تقديم القربان. فهابيل اتّقى الله في تقديمه القربان، فتُقُبّل منه، وقابيل لم يتّق الله في ذلك، فلم يُتقبّل منه.
(1) صحابيّ جليل. و"حمار"باسم الحيوان المعروف كان لقبه، واسمه عبد الله، كان كثير الفكاهة والمزاح(ينظر: الإصابة
(2) أخرجه البخاريّ في كتاب الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنّه ليس بخارج من الملّة: 6/ 2489،
برقم:6398.
(3) منها: حديث أبي سعيد الخدريّ ـ رضي الله عنه ـ، أخرجه البخاريّ في كتاب الإيمان، باب: تفاضل أهل ... الإيمان في الأعمال: 1/ 16، برقم:22. ومسلم في كتاب الإيمان أيضًا، باب: إثبات الشفاعة، وإخراج الموحّدين ... من النار: ص 58، برقم:184.