قال ـ رحمه الله ـ بعد إيراده لهذه الآيات:"والنصارى قالت الأقوال الثلاثة، فذكر الله عنهم هذه الأقوال، لكن من الناس من يظنّ أنّ هذا قول طائفة منهم، وهذا قول طائفة منهم .. كما ذكر طائفة من المفسّرين .. ثمّ تارة يحكون عن اليعقوبيّة [1] أنّ عيسى هو الله. وعن النسطوريّة [2] أنّه ابن الله. وعن المريوسيّة [3] أنّه ثالث ثلاثة. وتارة يحكون عن النسطوريّة أنّه ثالث ثلاثة، وعن الملكيّة [4] أنّه الله، ويفسّرون قولهم: (ثالث ثلاثة) بالآب والابن وروح القدس. والصواب: أنّ هذه الأقوال جميعها، قول طوائف النصارى المشهورة: الملكيّة، واليعقوبيّة، والنسطوريّة. فإنّ هذه الطوائف كلّها تقول بالأقانيم الثلاثة: الآب والابن وروح القدس، فتقول: إنّ الله ثالث ثلاثة، وتقول عن المسيح إنّه الله، وتقول إنّه ابن الله .. وهم متّفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمّن ذلك" [5] .
ثمّ ذكر الشيخ قولًا ثالثًا غريبًا، وهو أنّ قوله تعالى: {لقد كفر الذين ... قالوا إنّ ... الله ثالث ثلثة .. } هو قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله. فجعلوا الله ثالث ثلاثة.
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ:"وهذا ضعيف" [6] . وهو كما قال، فلا يلتفت إليه.
واحتجّ الشيخ لما ذهب إليه بما يلي:
1.أنّ الله أخبر أنّ النصارى يقولون: إنّ الله ثالث ثلاثة، وأنّهم يقولون: إنّه الله، وأنّهم يقولون: إنّه ابن الله. وقال لهم: {لا تقولوا ثلثة .. } ، مع
(1) اليعقوبيّة: نسبة إلى يعقوب البرذعاني من رهبان القسطنطينيّة. قالوا: إنّ روح الباري اختلط ببدن عيسى اختلاط الماء
باللبن، وهم يقولون بالأقانيم الثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. فيعبّرون عن الوجود بالآب. وعن العلم بالكلمة. وعن الحياة بروح القدس. ثمّ إنّ الكلمة عندهم انقلبت لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح. (ينظر: الملل والنحل للشهرستاني(بيروت: دار المعرفة) : 1/ 255، 226، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (القاهرة: مكتبة الخانجي) : 1/ 48، 50، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ص 132).
(2) النسطوريّة: نسبة إلى نسطور الحكيم، قالوا: إنّ الله واحد ذو أقانيم ثلاثة، ليست زائدة على الذات، ولا هي هو.
وقالوا: إنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح، كالنقش في الشمع إذا طُبع بالخاتم، فيؤثّر فيه، ثم لا يبقى منه إلاّ الأثر. وقالوا: إنّ اتّحاد الله بعيسى، لم يكن باقيًا حال صلبه. (ينظر: الملل: 1/ 224، 225، والفصل: 1/ 48) .
(3) المريوسيّة: قيل نسبة إلى بريموس، وهي من فرق النصارى.
(4) الملكيّة: هي المسيحية الرسمية، نسبة إلى (ملكا) الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها. قالوا: إنّ الكلمة اتّحدت
بالمسيح، وتدرّعت بناسوته. وقالوا: إنّ المسيح ناسوت كلّي لا جزئي، وهو قديم أزليّ، ويرون أنّ القتل والصلب وقع على الناسوت واللاهوت معًا. (ينظر: الملل: 1/ 223، 224، والفصل: 1/ 48.
(5) الجواب الصحيح: 2/ 11. (باختصار يسير) . وينظر: التسعينيّة: 3/ 848، ودقائق التفسير: 3/ 386.
(6) الجواب الصحيح: 2/ 14.