فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 821

والراجح: ما ذهب إليه الشيخ من التفريق بين الإدراك والرؤية، وهذا هو الذي تدلّ عليه آيات الكتاب العزيز، كقوله تعالى: {حتّى ... إذا أدركه الغرق .. } [يونس: 90] ، أي: أحاط به [1] .

فالله ـ عزّ وجلّ ـ لا تدركه الأبصار، أي: لا تحيط به لعظمته، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، أمّا رؤيته ـ سبحانه ـ في الآخرة، فهي ثابتة من غير إحاطة. وأمّا في الدنيا، فلم تثبت لأحد من الخلق، إلا ما كان من سؤال موسى ـ عليه السلام ـ ربّه الرؤية، فقال الله له: (لن تراني) . واستدلّ السلف ـ رحمهم الله ـ بهذه الآية على إمكان الرؤية، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يقل لموسى: (إنّي لا أُرى) ، وكذلك لم ينكر عليه هذا السؤال، كما أنكر على نوح ـ عليه السلام ـ قوله: { .. إنّ ... ابني ... من ... أهلي ... .. } [هود: 45] ، فقال له: { .. إنّه ليس من ... أهلك} [هود: 46] . لكنّ الله أراد أن يبيّن لموسى مقدار ضعفه أمام عظمة الله تعالى، وأنّ الجبل الأشمّ لا يثبت لتجلّيه ـ سبحانه ـ فكيف ببشر ضعيف!.

فإن قيل: فكيف إذًا يرونه في الآخرة؟ فالجواب: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يخلق في أوليائه آنذاك قوّة مستعدّة للنظر إلى وجهه ـ عز وجلّ ـ، وبهذا تجتمع نصوص الكتاب والسنّة وتأتلف [2] .

أمّا نبيّنا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقد اختلف السلف ـ رحمهم الله ـ في رؤيته لربّه ـ جلّ وعلا ـ ليلة المعراج، وقد حكى الإمام عثمان بن سعيد الدارمي [3] ـ رحمه الله

ـ إجماع الصحابة [4] ـ رضي الله عنهم جميعاُ ـ على أنّه لم ير ربّه ليلة المعراج [5] ، أي: بعيني رأسه.

(1) ينظر: جامع البيان: 6/ 604.

(2) ينظر: زاد المسير: ص 517. وينظر: منهاج السنّة: 1/ 217، وشرح الطحاويّة في العقيدة السلفيّة لأبي العزّ الحنفي (الرياض، وزارة الشؤون الإسلاميّة) : ص 156، 157، ومعارج القبول بشرح سلّم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد للحكمي (الدمام: دار ابن القيّم) : 1/ 361، 362.

(3) هو عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد، أبوسعيد التميمي، الدارمي السجستاني، الإمام العلامة الحافظ. سمع من نعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل. حدّث عنه: أبو عمر الحيري، ومؤمّل بن الحسين. مات سنة: ثمانين ومئتين. (ينظر: تذكرة الحفّاظ: 2/ 621، وسير أعلام النبلاء: 13/ 319) .

(4) استثنى بعضهم ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ ولا يصحّ هذا الاستثناء، فإنّ ابن عبّاس لم يقل إنّه رآه بعيني رأسه. قال الشيخ ـ رحمه الله ـ:"قد تدبّرنا عامّة ما صنّفه المسلمون في هذه المسألة، وما تلقّوه فيها، قريبًا من مئة مصنّف، فلم أجد أحدًا يروي بإسناد ثابت ولا صحيح، ولا عن إمام أنّه رآه بعيني رأسه". قال:"فالواجب اتّباع ما كان عليه السلف والأئمّة، وهو إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيّدة بالفؤاد"ا هـ. نقلًا عن كتاب (أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمتشابهات لمرعي بن يوسف الكرمي(بيروت: مؤسسة الرسالة) : ص 196. ولم أقف على هذا النصّ في كتب الشيخ، ولعلّه من مخطوطاته المفقودة. وينظر: منهاج السنّة النبويّة: 2/ 637.

(5) ينظر: الردّ على الجهميّة (بيروت: الكتب الإسلامي) : ص 63. وينظر: اجتماع الجيوش الإسلاميّة: ص 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت