الدراسة، والترجيح:
حاصل الأقوال في هذه الآية قولان:
-أحدهما: ما اختاره الشيخ. وهو مرويّ عن ابن عبّاس، وأبي العالية [1] .
-الثاني: أوّل المؤمنين بك من بني إسرائيل. وهو مرويّ عن ابن عبّاس أيضًا، ومجاهد.
وقد وافق الشيخ في اختياره: الطبريّ [2] ، والنحّاس [3] ، والنسفيّ [4] . إلا أنّ الطبريّ قال:"لا يراك في الدنيا أحد إلا هلك". وهذا القول قد يفهم منه إمكان الرؤية مطلقًا في الدنيا، وقد نقل الطبريّ ـ رحمه الله ـ أقوال بعض السلف في ذلك، وهي تدلّ على نفي الرؤية في الدنيا مطلقًا، لكنّه ـ رحمه الله ـ لم يلتزم بألفاظهم.
واختار الزمخشريّ: نفي الرؤية مطلقًا في الدنيا والآخرة، على طريقته في الاعتزال، فقال:"وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لست بمرئيّ ولا مدرك بشيء من الحواسّ" [5] .
واختار القول الثاني: الواحديّ [6] ، وابن قتيبة [7] ، وابن جزي [8] .
واختار ابن جزي قولًا آخر مع القول السابق [9] ، وهو أنّ المراد بالأوّليّة: المبادرة. أي: مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكلّ ما أخبرت به الآيات.
(1) ينظر: جامع البيان: 6/ 55، 56. وأبو العالية هو رُفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام المقرئ الحافظ المفسّر، كان مولى لامرأة من بني رياح، أدرك زمان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهو شابّ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ، وسمع من عمر وعليّ وغيرهما. حفظ القرآن، وقرأه على أبيّ. وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. مات سنة: ثلاث وتسعين. (ينظر: طبقات ابن سعد: 7/ 112، وسير أعلام النبلاء: 4/ 207) .
(2) ينظر: جامع البيان: 6/ 56.
(3) ينظر: معاني القرآن: 3/ 75.
(4) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 36. واختاره من المتأخّرين: ابن كثير: 2/ 245. لكنّه وهم ـ رحمه الله ـ حيث ذكر أنّ ابن جرير اختار القول الثاني، وهو قد صرّح بردّه. وممّن اختار هذا القول من المتأخّرين: السعديّ ـ رحمه الله ـ: (3/ 109) ، لكنّه عبّر عن ذلك بقوله:"جدّد ـ عليه الصلاة والسلام ـ إيمانه بما كمّل الله له ممّا كان يجهله قبل ذلك". والذي كان يجهله: امتناع الرؤية في الدنيا.
(5) الكشّاف: 2/ 91.
(6) ينظر: الوجيز: 1/ 312.
(7) ينظر: تأويل مشكل القرآن (المدينة: المكتبة العلميّة) : ص 218.
(8) ينظر: التسهيل: 2/ 81. ومن المتأخّرين: الشوكانيّ: 2/ 278.
(9) ينظر: التسهيل: 2/ 81. ووافقه البقاعيّ على ذلك: 3/ 109. واختار هذا القول من المتأخّرين أيضًا ابن عاشور، وتوسّع في بيانه، فقال:"وقوله: (وأنا أوّل المؤمنين) أطلق الأوّل على المبادر إلى الإيمان. وإطلاق الأوّل على المبادر: مجاز شائع، مساوٍ للحقيقة، والمراد به هنا، وفي نظائره: الكناية عن قوّة إيمانه، حتّى إنّه يبادر إليه حين تردّد غيره، فهو للمبالغة. وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41] ، وقوله: { .. وأنا أوّل المسلمين} [الأنعام: 163] . والمراد بالمؤمنين: من كان الإيمان وصفهم ولقبهم، أي: الإيمان بالله وصفاته كما يليق به. فالإيمان مستعمل في معناه اللقبيّ، ولذلك شبّه الوصف بأفعال السجايا، فلم يذكر له متعلّق. ومن ذهب من المفسّرين يقدّر له متعلّقًا؛ فقد خرج عن نهج المعنى". (التحرير والتنوير: 277، 278) .