من قال: أراد به نفي حقيقة الإيمان، أو نفي كمال الإيمان، فإنّهم لم يريدوا نفي الكمال المستحبّ، فإنّ ترك الكمال المستحبّ، لا يوجب الذمّ والوعيد. والفقهاء يقولون: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ. ثمّ من عدل عن الغسل الكامل إلى المجزئ، لم يكن مذمومًا. فمن أراد بقوله: نفي كمال الإيمان، أنّه الكمال المستحبّ، فقد غلط، وهو يشبه قول المرجئة، ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب، وهذا مطّرد في سائر ما نفاه الله ورسوله، مثل قوله: {إنّما المؤمنون ... الذين ... إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمانًا .. } ، إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون ... حقًّا .. } .." [1] ."
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ ـ رحمه الله ـ بالتنبيه على هذه المسألة عند هذه الآية دون سائر المفسّرين، وذلك لأنّها من المسائل العقديّة الدقيقة، وإن كان بعض المفسّرين قد ذكر أنّ المراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان الكامل. وممّن ذكر ذلك: الزمخشريّ [2] ، والسيوطيّ [3] ، والشوكانيّ [4] ، والألوسيّ [5] ، وصدّيق حسن خان [6] ، وابن عاشور [7] ، لكنّ أحداّ منهم لم ينبّه إلى ما نبّه إليه الشيخ من التفريق بين الكمالين: الواجب والمستحبّ، وإن كان مفهوم كلامهم يدلّ على ذلك، إلا الزمخشريّ، فإنّه وإن لم يصرّح بمذهب أهل الاعتزال، لكنّه ـ على عادته في الدسّ ـ ذكر مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ في عدم الاستثناء في الإيمان، وكأنّه يريد الإشارة إلى قول من قال من المرجئة: إنّ الإيمان لا يزيد
(1) الفتاوى الكبرى: 4/ 296، 297، وينظر: مجموع الفتاوى: 7/ 14 ـ 52 و 12/ 477، 478.
(2) ينظر: الكشَاف: 2/ 113.
(3) ينظر: قطف الأزهار في كشف الأسرار (قطر: وزارة الأوقاف) : 2/ 1091.
(4) ينظر: فتح القدير: 2/ 326.
(5) ينظر: روح المعاني: 9/ 158.
(6) ينظر: فتح البيان في مقاصد القرآن (ط: القاهرة) : 4/ 4.
وصدّيق حسن هو أبو الطيب صدّيق بن حسن بن عليّ الحسيني البخاري القنوجي، نزيل بهوبال بالهند، من أبرز مشايخه: محمد صدر الدين خان، ووليّ الله الدهلوي. له مصنفات كثيرة في علوم شتّى، تأثّر بدعوة الإمام الشوكانيّ عن طريق تلامذته فاعتنق المذهب السلفيّ، ودعا إلى محاربة التقليد، مات سنة: 1307 هـ (تنظر ترجمته لنفسه في كتابه: التاج المكلّل: ص 546) .
(7) ينظر: التحرير والتنوير: 9/ 20، 21.