إليها موافقًا ترجيح الشيخ: الجصّاص [1] ، وأبو حيّان [2] .
وقد اتّفق عامّة الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على أنّ الهدنة [3] لا تصحّ إلى الأبد، لأنّ ذلك يفضي إلى ترك الجهاد [4] . وإنّما اختلفوا في الهدنة المطلقة بلا تحديد مدّة، أو أن يقول: نقرّكم على ما أقرّكم الله، أو ما شئنا، أو ما شاء فلان، ونحو ذلك. وللفقهاء في ذلك قولان:
-أحدهما: المنع، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، قياسًا على الإجارة، ولجهالة المدّة [5] .
-والثاني: الجواز، وهو مذهب أبي حنيفة [6] ، ومالك [7] ، والشافعي [8] ، لفعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مع أهل خيبر [9] .
والراجح: ما اختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ وهو مذهب الثلاثة سوى أحمد، لما ذكروه من فعله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مع أهل خيبر. ولأنّ الأصل في العقود أن تعقد على أي صفة كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في عقد الهدنة المطلقة إلى غير أمد، عقدًا جائزًا لا لازمًا [10] .
وأمّا ما ذكره المانعون من القياس على الإجارة، فهو قياس مع الفارق، وذلك من وجوه:
(1) ينظر: أحكام القرآن: 3/ 79.
(2) ينظر: البحر المحيط: 5/ 7. ومن المتأخّرين: السعديّ: 3/ 197، وابن عاشور: 10/ 13، والشنقيطيّ: 3/ 197.
(3) قال النوويّ ـ رحمه الله ـ:"الهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدّة معلومة، من الهدون وهو السكون" (تحرير ألفاظ التنبيه أو لغة الفقه(دمشق: دار القلم) : ص 322).
(4) ينظر: الفقه الإسلاميّ وأدلّته لوهبة الزحيلي (دمشق: دار الفكر) : 6/ 440.
(5) ينظر: الإنصاف للمرداوي (مع المقنع والشرح الكبير) : 10/ 379. ووهم ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح (حلب: المكتبة الحلبيّة: 2/ 445) ، فنسب إلى أحمد الجواز مطلقًا.
(6) ينظر: بدائع الصنائع: 7/ 109.
(7) رواه عنه حبيب، ولفظه:"تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث إلى غير مدّة"، ومعنى قوله (إلى غير مدّة) أنّ ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 8/ 41، وعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (دار الغرب الإسلامي) : 1/ 497، والقوانين الفقهيّة لابن جزي (ليبيا: الدار العربية للكتاب) : 6/ 440.
(8) ينظر: الأمّ: 4/ 200. قال ـ رحمه الله ـ:"فإذا أراد الإمام أن يهادنهم إلى غير مدّة، هادنهم على أنّه إذا بدا له نقض الهدنة، فذلك إليه ..". وينظر: المهذّب للشيرازي (بيروت: دار الفكر) : 2/ 260.
(9) أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم
ـ لمّا ظهر على خيبر، أراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ليقرّهم بها أن
يكفوا عملها، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ:"نقرّكم بها على ذلك ما شئنا"، فقرّوا بها حتّى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. أخرجه البخاري في كتاب المزارعة، باب إذا قال ربّ الأرض: أقرّك ما أقرّك الله. ولم يذكر أجلًا معلومًا على تراضيهما: 2/ 824، برقم: 2213، ومسلم في كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع: ص 397، برقم: 1551.
(10) ينظر: أحكام أهل الذمّة لابن القيّم (بيروت: دار العلم للملايين) : 2/ 478.