ففعلوا هذا المحرّم الذي عرفوا أنّه محرّم، ولكن لم يظنّوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنّهم لم يعتقدوا جوازه" [1] ."
الدراسة، والترجيح:
عامّة المفسّرين اختاروا القول الذي أنكره الشيخ [2] .
واختار بعض المتأخّرين قولًا وسطًا، وهو التفصيل، فذكر أنّ الذين نزلت فيهم هذه الآية، منهم من كان مؤمنًا ضعيف الإيمان. ومنهم من كان منافقًا أصلًا، كافرًا في الباطن [3] . واحتجّوا بالسياق، فإنّه جعلهم قسمين؛ قسمًا مستحقًّا للعفو لصلاحيته للتوبة. وقسمًا غير متأهّلين للعفو بسبب إجرامهم، ورسوخهم في النفاق.
وهذا القول قول وسط، جامع للقولين الآخرين. وبيانه أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال: { .. قد كفرتم بعد إيمنكم .. } ، ولم يقل (بعد إسلامكم) تغليبًا لجانب المؤمنين وإن كان إيمانهم ضعيفًا، ولأنّهم هم الأكثر. ولفظ الإيمان إذا أطلق، دخل فيه الإسلام، فكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمنًا. ولمّا تمحّض النفاق في موضع آخر، قال: { .. وكفروا بعد إسلمهم} [التوبة: 74] ، أي: أظهروا الكفر بالفعل، بعد أن كانوا مظهرين للإسلام باللسان، وذلك أنّهم سعوا إلى قتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ليلة العقبة في مرجعه من تبوك [4] ، لكنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ حفظ نبيّه، وفضح المنافقين، ولذا قال بعدها:
(1) مجموع الفتاوى: 7/ 272، 273. (باختصار يسير) .
(2) ينظر: معاني القرآن للنحّاس: 3/ 231، والوجيز: 1/ 471، ومعالم التنزيل: 4/ 70، والكشّاف: 2/ 161، وزاد المسير: ص 593، وأنوار التنزيل: 3/ 155، ومدارك التنزيل: 2/ 97، والبحر المحيط: 5/ 86، وإرشاد العقل السليم: 4/ 80، وفتح القدير: 2/ 430، وروح المعاني: 10/ 131، والتحرير والتنوير: 10/ 142.
(3) ينظر: نظم الدرر: 3/ 343.
(4) قال الواحديّ ـ رحمه الله ـ:"قال الضحّاك: همّوا أن يدفعوا ليلة العقبة، وكانوا قومًا قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وهم معه يلتمسون غرّته، حتّى أخذ في عقبة فتقدّم بعضهم، وتأخّر بعضهم، وذلك كان ليلًا، قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي. وكان قائده في تلك الليلة: عمّار بن ياسر، وسائقه حذيفة، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، فالتفت؛ فإذا هو بقوم متلثّمين، فقال: إليكم يا أعداء الله. ="
= ... فأمسكوا، ومضى النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حتّى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله تعالى قوله: {وهمّوا بما لم ينالوا} . (أسباب النزول: ص 145) .
وقد أخرج هذه القصّة: أحمد في المسند: 5/ 562، برقم: 23789. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره ... (2/ 373) :"ويشهد لهذه القصّة بالصحّة: ما رواه مسلم عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة، وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنّا نخبر أنّهم أربعة عشر. فإن كنتَ منهم فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أنّ اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولا علمنا بما أراد القوم ..". أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ص 707، برقم: 2779.