الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ فيما ذهب إليه: ابن عطيّة [1] ، والقرطبيّ [2] وأبا حيّان [3] .
واختار القول الثاني: الواحديّ [4] ، وابن الجوزيّ [5] ، والنسفيّ [6] .
وحجّتهم: أنّ السورة مكيّة، وأنّ المسلمين آنذاك لم يكن عددهم يتجاوز الثمانين رجلًا مع أهليهم ..
والراجح: ما اختاره الشيخ ـ رحمه الله ـ من أنّ المراد الجنس، لما ذكره من الوجوه.
ويضاف إليها وجه آخر، وهو أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ في آيات مشابهة استثنى من لفظ الإنسان ما يدلّ على دخول غير الكافر فيه، ومن ذلك قوله تعالى: {إنّ ... الإنسن ... خلق هلوعًا * إذا مسّه الشرّ جزوعًا * وإذا مسّه الخير منوعًا * إلاّ المصلّين} [المعارج: 19 ـ 22] ، وقوله: {والعصر * إنّ ... الإنسن ... لفي ... خسر * إلاّ الذين ... ءامنوا وعملوا الصلحت .. } [سورة العصر] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا ما احتجّ به الآخرون من كون السورة مكيّة، وعدد المسلمين قليل، فيجاب عنه بأنّ وجود مسلم واحد كاف في شمول اللفظ لجنس الإنسان.
(1) ينظر: المحرّر الوجيز: 7/ 116.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 8/ 317.
(3) ينظر: البحر المحيط: 5/ 133. واختاره من المتأخّرين: أبو السعود: 4/ 126، والشوكانيّ: 2/ 488، والسعدي: 3/ 332.
(4) ينظر: الوجيز: 1/ 491.
(5) ينظر: زاد المسير: ص 618.
(6) ينظر: مدارك التنزيل: 2/ 120. ومن المتأخّرين: السيوطيّ في الجلالين: 1/ 267، وابن عاشور: 11/ 32. قال ابن عاشور ـ رحمه الله ـ:"فالإنسان المراد به الجنس. والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي: الإنسان الكافر لأنّ جمهور الناس حينئذٍ كافرون، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يَعْدون بضعة وسبعين رجلًا مع نسائهم وأبنائهم الذين هو تبع لهم. وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى: {ويقول الإنسن ... أءذا ما متّ لسوف أخرج حيًّا} [مريم: 66] ، وقوله: {يأيّها الإنسن ... ما غرّك بربّك الكريم* الذي خلقك فسوّاك فعدلك} [الإنفطار: 6، 7] ".
لكنّه استدرك فقال:"ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهليّة، فيفيق كلٌ من غفلته".