المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 116
مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ الرّحمن: 54.
يقال: السّندس: اللّطيف من الدّيباج، والاستبرق:
الضّخيم منه، ولم أجد مأخذا له في كتب اللّغة.
ولا يبعد أن نقول: إنّ البرق يطلق على الحمل، وهو الصّغير من الضّأن؛ لظرافته وحسن خلقه، ولطف صورته، كما يطلق الإبريق على المرأة الحسناء.
وأمّا الإبريق فيطلق على إناء يصبّ منه الماء؛ لكونه مصنوعا من فلزّ أبيض برّاق.
وأمّا الاستبرق فيطلق على لباس مأخوذ من ديباج يبرق ويلمع، وهو منقول من"فعل"، وأصله:
استبرق، أي طلب بتلبّسه هذا اللّباس البرق واللّمعان، ثمّ جعل اسما لهذا المنسوج. فعلى هذا تكون هذه اللّغات أيضا من تلك المادّة. (1: 241)
الأصول اللّغويّة
1 -أطبقت أكثر الأقوال والنّصوص على أنّ أباريق جمع إبريق، وهو لفظ فارسيّ معرّب"آب ريز"، أي ما يراق منه الماء. وشذّ قول أبي عبيدة حيث جعله عربيّا؛ تحرّجا من وجود غير العربيّ في القرآن، محتجّا بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا الزّخرف: 3، فقد ثبت أنّ وجود المعرّبات في القرآن لا يقدح في كونه عربيّا فإنّ المعرّبات تعدّ جزء من تراث اللّغة العربيّة جريا على طبيعة التّطوّر اللّغويّ. ويشهد بذلك أنّ أباريق ومثيلاتها هي من ملامح التّحضّر والرّفاهيّة؛ ممّا لم يكن مألوفا عند عرب الجاهليّة أصلا، وإنّما اكتسبوها من اختلاطهم بالأمم المتحضّرة، ولذلك نجد هذه الألفاظ في أشعار الجاهليّين الّذين كانوا يلمّون- بين الفينة والأخرى- بالمدن الواقعة تحت تأثير الحضارة الفارسيّة وعاداتها، ولا نجدها في صحيح أشعار أهل البادية الّذين لم يكونوا يطرأوا على تلك المدن. فهي فارسيّة الأصل، عربيّة الجرس والاستعمال والتّصريف.
2 -ولقد أخطأ من جعل اللّفظة تحت باب"برق"توهّما منه أنّ التّسمية اشتقّت من اللّمعان الملحوظ في"الإبريق"، وعليه كانت اللّفظة عربيّة لا معرّبة، ولكن لا سبيل لإثبات ذلك. علما بأنّ الإبريق يكون إبريقا من مجرّد كونه طويل العنق، ذا خرطوم وعرى؛ سواء أكان صافي اللّون برّاقا أم لم يكن. ومع ذلك فقول ابن فارس:
"كلّ ما له بريق إبريق"، والطّبرسيّ:"هو الّذي برق من صفاء لونه"والرّاغب:"و تصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه"، والقرطبيّ:"سمّي بذلك لأنّه يبرق لونه من صفائه"، يشعر بوجود العلاقة عندهم بين الأباريق والبرق.
وعليه فهو مشتقّ من البريق من قولهم: جارية إبريق، إذا كانت برّاقة الجسم، ويقولون للمرأة إذا تحسّنت: أبرقت، ويقال للسّيف: إبريق، إذا كان شديد البريق، فإبريق"إفعيل"والمختار هو الأوّل. والاختلاف في شكل الإبريق في كونه طويل العنق أو غيره، وله عروة أو عرى وآذان إلى غير ذلك؛ لعلّه جاء من اختلاف صورها في البلدان فوصف كلّ منهم ما اعتاده في بلده.