المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 265
اسما بهذا المنسوج. فعلى هذا تكون هذه اللّغات أيضا من تلك المادّة. (1: 241، 242)
الأصول اللّغويّة
1 -إستبرق في الأصل اللّغويّ استفعل من"برق"، فالبرق: اللّمعان، واستبرق: طلب اللّمعان، فمادّته"ب ر ق"كما عليه الكثير من المعاجم. غير أنّ"إستبرق"هذا اسم وليس فعلا على وزن"استفعل"، فلا علاقة له بمادّة"ب ر ق"، ولهذا يجب فصله عن هذه المادّة في البحث. فهو معرّب إمّا عن لفظ"إستفره"الفارسيّ، أو"إستبره"الرّوميّ.
وهناك من يقول- كالطّبريّ-: بأنّ أمثال هذه الألفاظ عربيّة على الرّغم من وجود نظير لها في لغة أخرى، فهذا من باب توارد اللّغات، وللبحث محلّ آخر.
2 -وهو نوع من الحرير يخاط منه الثّوب ويلبس، أو تحشى به الفرش. ونظرا لغلائه وندرته وبعد منشئه فقد أصبح مقصورا على الأثرياء والأشراف والمترفين والملوك كغيره من أسباب العيش والحضارة، فهو إمّا أثر للحضارة الفارسيّة أو الرّوميّة الّتي سرت إلى العرب، فلم يكن في متناول أيدي عامّة النّاس؛ ولذلك كان، يمثّل عندهم طموحا يستصعبون الحصول عليه، فهم يحلمون بنيله والظّفر به. وهذا ماتبنّاه القرآن واستثار به المشاعر واستثمرها، فجعله جزاء للمؤمنين في الدّار الآخرة.
3 -وقد تفاوت النّقل في جنسه بين ما هو الدّيباج، أو نوع منه غليظ، أو صنف من الحرير. ولعلّه كان أنواعا مختلفة، منه فارسيّ، ومنه روميّ، أو كان يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة مجاراة لتطوّر الحياة الاجتماعيّة كغيره من شؤون الحياة وآثار الحضارة.
الاستعمال القرآنيّ
جاءت كلمة (إستبرق) أربع مرّات في القرآن؛ مرّتين في السّور المكّيّة، ومرّتين في المدنيّة:
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا الكهف: 31
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ* كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ الدّخان: 51 - 54
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ الرّحمن: 46، إلى قوله: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ الرّحمن: 54
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا
الدّهر: 21
وفيها بحوث:
1 -يلاحظ أنّ (إستبرق) جاءت دائما في سياق الخبر دون الشّرط وغيره، وإن كان الغرض من هذا الخبر الوعد أيضا. والسّرّ في ذلك أنّ الخبر أوقع في النّفوس، وأثبت في التّعيين والتّصديق والاطمئنان من الوعد، فكأنّه شي ء وقع وتحقّق، لا أنّه وعد سيقع.