المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 266
2 -والّذين أخبر اللّه عنهم بأنّهم سينالون هذه النّعمة هم:
(الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات) في (1) .
و (المتّقين) في (2) .
و (لمن خاف مقام ربّه) في (3) .
و (الأبرار) في (4) .
وهذه الأوصاف وإن كانت تنطبق كلّها على أهل الجنّة إلّا أنّ مفاهيمها تختلف، وربّما نكتشف من هنا طريقا يوقعنا على سرّ اختلاف السّياق في تلك الآيات، كما أنّ نزول الآيتين المتقدّمتين في مكّة، والمتأخّرتين في المدينة، ربّما يكون هو الآخر بصيص نور إلى ذلك.
3 -وقد دلّت (إستبرق) على اللّباس في المكّيّتين، وسبقت بلفظة (سندس) ودلّت إحدى المدنيّتين على"الفرش"دون ذكر (سندس) معها، ودلّت الأخرى- وقد ذكر معها (سندس) - على ما يوضع على الجسد وضعا لا لبسا. عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ.
4 -وفي المواضع الثّلاثة الّتي جاءت فيها (إستبرق) مع (سندس) عطفت الأولى على الثّانية واكتسبت حكمها في الإعراب والدّلالة، كما ورد في موضعين بلفظ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ،* تعبيرا عن الملابس. وفي الموضع الثّالث كان يمكن أن تعطف على (سندس) أيضا عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ فيقال: وإستبرق، أي وثياب إستبرق، لولا أنّ ورود (إستبرق) مرفوعة، فصله عن كونه ثيابا مخيطة؛ إذ عطف على الثّياب، ولا يجوز عطف الشّي ء على نفسه بل على مثله ونظيره. فدلّ على أنّ"الإستبرق"في هذا الموضع ممّا يلحق بالثّياب، فيوضع عليهم كما توضع الثّياب.
وفي هذا التّغاير الإعرابيّ إيحاء بتغاير في الدّلالة.
ولقد قرأ ابن كثير وأبو بكر: (ثياب سندس خضر واستبرق) اعترافا بهذا التّغاير الإعرابيّ والدّلاليّ، وقرأ أهل البصرة، وأبو جعفر، وابن عامر: (خضر وإستبرق) ، وقرأ حمزة، والكسائيّ، وخلف (خضر وإستبرق) . وعلى هاتين القراءتين يحتمل أن يكون"الإستبرق"من جنس الثّياب المخيطة على تلوّن خاصّ؛ ففي قراءة (خضر وإستبرق) برفع الأولى وجرّ الثّانية، عطفت (إستبرق) على (سندس) فكانت مثلها، أي ثيابا، وفي قراءة: (خضر وإستبرق) بجرّهما معا، يحتمل أن تكون (إستبرق) مثل (سندس) بتقدير الثّياب، ويحتمل غير ذلك أيضا.
5 -ولذلك نرى أنّ (إستبرق) ذكرت في المكّيّتين باعتبارها جزء من الثّياب، أمّا في المدنيّتين فقد ذكرت باعتبارها بطانة للفرش ووسيلة للتّزيّن والتّجمّل تستعمل مع الثّياب. ويبدو أنّ أثرياء مكّة ومتر فيها كانوا يستعملونه لباسا، وفي المدينة- حيث كان مستوى المعيشة أرقى وأوسع- كانوا يتّخذونه فرشا وزينة وجمالا. فكذلك أهل الجنّة فهو لبعضهم ثياب ولآخرين- حيث مقامهم أعلى وأجلّ من الأوّلين- جمال وزينة، واللّه أعلم.
6 -وبين (سندس) و (إستبرق) فرق، وفيما يلي جملة ممّا قيل فيهما:
إنّ السّندس رقيق الدّيباج، والإستبرق الغليظ منه،