فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 334

غضبه المضمر في نفسه على مولاه، أو تأسّفه على مافاته من الحرّيّة. ومنه قوله: (فلمّا آسفونا) أي أغضبونا.

على أنّه جاء"آسف"بمعنى جعله أسفا، أي متأسّفا أيضا، وإن لم يكن هناك آسف بالفعل.

3 -وأطلق أيضا على ما ينبغي التّأسّف عليه، فيقال:

أرض أسيفة، أي رقيقة لا تكاد تنبت شيئا، فهي ممّا يتأسّف عليه؛ حيث فاتها النّبات.

4 -ثمّ أطلق على ما يترتّب على الأسف، فيقال:

الأسيف، أي السّريع الحزن والبكاء.

5 -كما أنّه قد يطلق على نفس الفوت، حتّى أنّ ابن فارس جعله الأصل فيه، فقال: أصل واحد يدلّ على الفوت والتّلهّف وما أشبه ذلك.

6 -وقد قيل: إنّ الأسف: الظّلم، وإنّ الأسف فيه إبدال على قول ابن فارس، والأصل فيه العين"العسف"أي الظّلم. وبهذا الاعتبار فالأصل فيه الظّلم، ولكنّه ظلم مخفّف باعتبار أنّ تخفيف الهمزة في اللّفظ دلّ على تخفيف المعنى، ويسمّى الأجير أو العبد أسيفا، باعتبار أنّهما مظنّة أن يقع عليهما الظّلم، وأنّ العسيف من وقع عليه ظلم أشدّ وأقسى، ربّما يتسبّب بالقتل والتّعذيب.

وأمّا الأسف فهو ظلم غير ممعن في القساوة الّتي تسبّب الحزن أو الغضب فقط دون الانتقام، اللّهمّ إلّا إذا تراكم الحزن في القلوب، فيتبدّل غضبا وعسفا فانتقاما.

فالأصل في الأسف- على هذا الرّأي- هو الظّلم، ثمّ انتقل إلى ما يلازمه من الحزن والغضب والتّلهّف وغير ذلك.

وهذا القول لا دليل عليه في نصّ لأحد من أرباب اللّغة، ومجرّد التّشابه اللّفظيّ بين العسف والأسف لا ينهض دليلا على وحدة المعنى، بل غايته وجود المناسبة بينهما وهي علاقة التّسبيب، فالظّلم سبب للأسف.

وأمّا حديث الإبدال فابن فارس ادّعاه في"التّابع"فقط؛ حيث قال:"و أمّا التّابع وتسميتهم إيّاه أسيفا، فليس من الباب، لأنّ الهمزة منقلبة من عين. وقد ذكر في بابه"، (المقاييس 1: 103) .

على أنّ ابن فارس لم يصرّح في معنى"عسف"بالظّلم، بل قال:"ركوب الأمر من غير تدبير، وركوب مفازة من غير قصد، ومنه التّعسّف"إلى أن قال:

"و العسيف: الأجير، وما يبعد أن يكون من هذا القياس، لأنّ ركوبه في الأمور فيما يعانيه مخالف لصاحب الأمور ..." (المقاييس 4: 311) .

والحقّ أنّ الإبدال في خصوص إطلاق اللّفظين- أي الأسيف والعسيف- على"الأجير"لا ينكر، وأنّ إطلاقهما عليه بلحاظ واحد، أي وقوع الظّلم عليه، أو ركوبه الأمر بما لا يرضي صاحب العمل، إذا كان العين هو الأصل والهمزة مبدلة منها، وأمّا لو قيل بالعكس، أي إبدال الهمزة عينا، فالتّلهّف أو الحزن والغضب هو الأصل في معناهما كما قلنا في معنى"الأسف".

وأخيرا فإنّ الظّلم متعدّ بنفسه، يقال: ظلمه، والأسف متعدّ ب"على"، يقال: أسف عليه، فكيف يكون بمعنى الظّلم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت