فهرس الكتاب

الصفحة 1152 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 335

الاستعمال القرآنيّ

1 -جاء"الأسف"في القرآن خمس مرّات: مسندا إلى النّبيّ مرّة، وإلى يعقوب مرّة، وإلى موسى مرّتين، وأخيرا إلى اللّه تعالى مرّة:

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا الكهف: 6

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ يوسف: 84

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي الأعراف: 150

فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا طه: 86

فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ

الزّخرف: 55

ويلاحظ أوّلا: أنّ الآيات كلّها مكّيّة، والنّكتة في ذلك- واللّه أعلم- أنّ مكّة باعتبارها وطن الغربة للإسلام، فهي دار الصّبر والأسف دون الجهاد والقتال، فلم يكن قبال المنكرين حيلة سوى الأسف على كفرهم والصّبر على مكائدهم، فلم يناسب الحال إذ ذاك إلّا التّعبير بالأسف حتّى في موضع الانتقام فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ.

وأمّا المدينة فهي موطن العزّة والقدرة للإسلام، ودار السّيف والقتال، فتبدّل فيها الأسف سيفا على الكفّار، والصّبر سلطانا وسيطرة وقتالا على الأعداء.

وثانيا: أنّ الأسف في الجميع إنّما هو من اللّه ورسله دون النّاس، إلّا أنّه أسف على كفر النّاس وضلالهم، وهذا هو الجدير بالأسف دون الحياة الدّنيا وما يرجع إليها.

وأمّا آية يوسف فإنّما هي أسف من يعقوب على ابنه يوسف، وهو أيضا نبىّ مثله، له دور بارز في هدى النّاس، وليس أسفا من والد على فقد ابنه، وهما من أوساط النّاس كي يعدّ أسفا على المال والبنين وهما زينة الحياة الدّنيا، فلا ينبغي الأسف على مافاتنا من الدّنيا، قال تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ الحديد: 23.

وثالثا: أنّ التّدبّر في الآيات يفصح عمّا رجّحناه في معنى"الأسف"من التّلهّف النّاشئ عن الحزن أو الغضب، فإنّ قوله: باخِعٌ نَفْسَكَ ... كالصّريح في أنّ الأسف ناشئ عن أنّه بخع نفسه، أي غضب عليها، وتلهّف على أنّهم لم يؤمنوا بالقرآن.

ويدلّ قوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ كذلك على أنّ أسفه نشأ عن حزنه الشّديد وبكائه الكثير حتّى ابيضّت عيناه.

وأمّا قوله: غَضْبانَ أَسِفًا** فهو يسفر عن أنّ الغضب يختلف عن الأسف، وأنّ الأوّل سبب للثّاني.

وأمّا قوله: فَلَمَّا آسَفُونا فالمفسّرون وإن فسّروه ب"أغضبونا"إلّا أنّ التّعبير ب (آسفونا) دون"أغضبونا"يشعر بالفرق بينهما، وأنّ (آسفونا) فيه إشراب، أي أغضبونا حتّى أسفنا وتلهّفنا عليهم، واشتدّ تلهّفنا حتّى انتقمنا منهم، أو أسفنا عليهم واشتدّ حتّى تبدّل غضبا فانتقمنا منهم.

وفيه نكتة أخرى، وهي أنّ غضبه تعالى على قوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت