المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 387
المدمّر أو البطر، تحت تأثير الفرح الطّاغيّ، عندما تحدث الخسارة، أو عندما يأتي الرّبح انطلاقا من صدمة المفاجأة الّتي تثير ذلك هنا وهناك، بل لا بدّ من مواجهة الأمر على أساس أن الحديث السّلبيّ أو الأيجابيّ حالة طبيعيّة في نظام الوجود، لأنّ الخسارة تخضع لأسبابها الاختياريّة أو الاضطراريّة، كما أنّ الربّح يخضع لذلك، فلا مجال لأيّ شي ء طارئ في ذلك، ولا مفاجآت في عمق الأمور، فإذا تمّت للحدث أسبابه فلا بدّ من أن يحدث، من خلال الحتميّة الكونيّة للأشياء، في ما قدّر اللّه لها، تماما كما هي الأشياء الكونّية في نظام الطّبيّعة الخاضع للتّقدير الإلهيّ في التّكوين.
وقد جاء في نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال اللّه سبحانه:
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزّهد بطرفيه"."
وعلى ضوء ذلك، فلابدّ للإنسان من أن يتواضع في حركته، ويتوازن في شعوره، ويثق بالتّقدير الإلهيّ في موارد رزقه، فلا ينتفخ في حالات الفرح، ليتحوّل ذلك عنده إلى حالة استعراضيّة من الخيلاء، أو حالة استكباريّة من الاستعلاء والفخر، أو حالة أنانيّة خائفة تقوده إلى البخل. (22: 41)
اسى
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ. الأعراف: 93
ابن عبّاس: أحزن. (الطّبريّ 9: 6)
مثله الحسن، والسّدّيّ (الطّوسيّ 4: 504) ، والطّبرسيّ (2: 450) ، والطّباطبائيّ (8: 194) .
أبو عبيدة: أي أحزن وأتندّم وأتوجّع، ومصدره:
الأسى. [ثمّ استشهد بشعر] (1: 222)
الطّبريّ: فكيف أحزن على قوم جحدوا وحدانيّة اللّه، وكذّبوا رسله، وأتوجّع لهلاكهم. (9: 6)
البغويّ: أحزن؛ والأسى: الحزن، والأسى:
الصّبر. (2: 217)
الزّمخشريّ: الأسى: شدّة الحزن، وقرأ يحيى بن وثّاب (فكيف إيسي) بكسر الهمزة. (2: 97)
الفخر الرّازيّ: الأسى: شدّة الحزن. [ثمّ استشهد بشعر]
إذا عرفت هذا فنقول: في الآية قولان:
القول الأوّل: أنّه اشتدّ حزنه على قومه، لأنّهم كانوا كثيرين، وكان يتوقّع منهم الاستجابة للإيمان، فلمّا أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم حصل في قلبه من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة، ثمّ عزّى نفسه، وقال: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ لأنّهم هم الّذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر.
والقول الثّاني: أنّ المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنّصيحة والتّحذير ممّا حلّ بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي فَكَيْفَ آسى عليكم، يعني أنّهم ليسوا مستحقّين بأن يأسى الإنسان عليهم.
القرطبيّ: أي أحزن؛ أسيت على الشّي ء آسى أسى، وأنا آس. (7: 252)