فهرس الكتاب

الصفحة 1242 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 425

التّعلّق والاستيثاق والوشائج الوثيقة، فالنّاس كانوا موثوقين بالتّكاليف الشّاقّة الّتي كانت كالأغلال على عواتقهم، فوضعها اللّه عنهم بالشّريعة المحمّديّة السّمحاء. كما أنّ الأنبياء أخذ منهم الميثاق بعهد اللّه.

إلّا أنّ بين التّعبيرين فرقا لطيفا، فالإصر حين نسب إلى النّاس كسب صفة الذّمّ فساوق الأغلال، وحين نسب إلى اللّه كسب معنى اللّطف والحنان، فإصر اللّه كأنّه حبل من حرير يربط الإنسان بربّه، وفيه كلّ معاني القرب والرّضا والحبّ. فهو وإن كان ثقيلا إلّا أنّه سهل يرغب إليه الإنسان، فلا يأخذ اللّه من النّاس إلّا ميثاقا مقبولا عندهم. وأمّا إصر النّاس فثقيل عليهم مرفوض عندهم، يسألون اللّه وضعه عنهم.

وهناك فرق آخر، ففي الإضافة إليهم إيماء إلى أنّهم الباعث على أنّ اللّه كلّفهم بها كما كلّف الأمم السّابقة، أو أنّهم ابتدعوها من دون اللّه. وفي (اصرى) إيماء إلى أنّ اللّه هو المنبع والباعث له، فربط به أنبياءه إلى نفسه بهذا الرّباط اللّطيف، وهو الدّين، كما قال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا آل عمران: 103.

وخامسا: هناك فرق آخر بين الآيات الثّلاث، فحينما أضيف"الإصر"إلى"اللّه"جاء عقيب (اخذتم) ، و (اخذ) إشعارا بأنّ إصر اللّه ميثاقه الوثيق، يأخذه من النّاس ويأخذونه منه. فلاحظ الآية"81"من آل عمران وما قبلها وما بعدها؛ حيث جاء (اصرى) مع أخذ الميثاق والإقرار والإشهاد من النّاس، والشّهادة من اللّه والحكم على من تولّى بالفسق. ففيه ألوان من المفاهيم ممّا لا يبقى معه شكّ في أنّ"الإصر"فيها هو ذلك الميثاق الأكيد المتبادل بين اللّه والنّاس.

وهذا بخلاف الآيتين الأخريين؛ ففي آية البقرة جاء الإصر عقيب لا تَحْمِلْ عَلَيْنا متلوّا بقوله: كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ومسبوقا في صدر الآية بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وهذه كلّها مرتبطة بالتّكليف الشّاقّ الّذي لا يطاق، بخلاف ذلك الميثاق المؤكّد، فالميثاق يؤخذ من النّاس، والتّكليف الشّاقّ يحمل عليهم أو يوضع عنهم.

ومثلها آية الأعراف الّتي ابتدأت بقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ ... يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فجاء"الإصر"مع"الأغلال"عقيب (يضع) مسبوقا بتكاليف سهلة ليست أغلالا، مثل: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتحليل الطّيّبات وتحريم الخبائث. وفيها تحديد معنى الإصر حين نسب إلى النّاس.

ومن ذلك نعلم أنّ الإصر إذا"أخذ"فهو بمعنى العهد، وإذا"حمل"أو"وضع"فبمعنى التّكليف الشّاقّ.

ويتلاقيان في مفهوم الحبس والشّدّ وغيرهما ممّا جاء في النّصوص، كما يتلاقيان في أنّ كليهما أمانة من اللّه، والأمانة تحمل وتؤخذ، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ... وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ الأحزاب: 72.

وسادسا: جاء في آية آل عمران: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي دون: أخذنا منكم إصرا، كما قال في صدر الآية: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، فما هو سرّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت