المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 501
أخرى؛ فمن الأوّل قوله تعالى: الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ الواقعة: 92، ومن الثّاني قوله: الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ الواقعة: 51.
ولعلّ السّرّ فيه هو أنّ الإفك في الأصل الصّرف والقلب، فيوصف بالافتراء والكذب، وقد يستعمل فيهما. وأمّا الكذب فهو مستعمل في معناه، فيقع صفة وموصوفا، على أنّ الإفك هو القلب القبيح، فينبغي أن يوصف بالبيان ونحوه تأكيدا لمعناه الأصليّ.
الثّالث: الانقلاب:
1 -وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشَّاها ما غَشَّى
النّجم: 53، 54
2 -... قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ التّوبة: 70
3 -وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ الحاقّة: 9
ويلاحظ أوّلا: أنّ كلمة (المؤتفكة) في الآية الأولى وردت مفردة، خلافا للآيتين التّاليتين، ممّا يشعر بتعدّد القرى المنقلبة. وقد اختلفوا في عددها؛ فقيل: هي ثلاث قرى، وقيل: أربع، وقيل: تسع. وهذا الاختلاف مردّه- فضلا عن اختلاف الرّوايات- إلى أنّ (المؤتفكات) وهي جمع مؤنّث سالم، ومن جموع القلّة الّتي يتراوح عددها من ثلاث إلى تسع.
وثانيا: أجمع المفسّرون قاطبة على أنّ هذه المؤتفكات تخصّ قوم لوط دون غيرهم؛ فقد استعرض القرآن أحوال الأمم السّابقة تحذيرا للأمم اللّاحقة؛ فسبق الآية الأولى قوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ النّجم: 50 - 52، وسبق الآية الثّالثة قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ الحاقّة: 4. فسبق المؤتفكة والمؤتفكات ذكر عاد وثمود وقوم نوح في الآيتين الأوليين، وسبق المؤتفكات ذكر ثمود وعاد في الثّالثة، دون أن يأتي على ذكر قوم نوح، كما في الآيتين.
وقد ورد في الثّانية- إضافة إلى الأقوام الثّلاثة- ذكر قوم إبراهيم وأصحاب مدين، فهي تجمع أربع حقب متفاوتة: إحداها: حقبة نوح وقومه، وهي فترة ضاربة في القدم.
والثّانية: حقبة إبراهيم ولوط، وهي تعتبر متقدّمة بالنّسبة إلى الأجيال الباقية.
والثّالثة: حقبة النّبيّ هود وصالح وقومهما عاد وثمود، وهي فترة متوسّطة.
والرّابعة: حقبة موسى وشعيب وقومهما، وهي فترة متأخّرة إذا ما قيست بما سبقتها. ولم تذكر هذه الحقب بحسب ترتيبها الزّمنيّ في الآيات الثّلاث.
وثالثا: اختلف المفسّرون في المؤتفكة والمؤتفكات، أهي أمم وأقوام أم قرى ومدائن؟ وما قاله أبو حيّان حول إجماعهم على أنّها مدائن قوم لوط، ليس بسديد.
وسياق الآيات الثّلاث يحتمل الوجهين؛ فقد سبق الآية الأولى قوله: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى النّجم: 52، ثمّ يعقّبه مباشرة قوله:
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى، فالمؤتفكة عطف على (قوم نوح) ؛ فالتّقدير:"و قوم المؤتفكة". وسبق (المؤتفكات)