فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 539
لحال الوصيّ على اليتيم، فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنيّا، واقتناعه بما رزقه اللّه تعالى من الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيرا؛ بحيث يأخذ قوتا محتاطا في تقديره. وظاهر هذه الإباحة أنّه لا تبعة عليه ولا يترتّب في ذمّته ما أخذ ممّا يسدّ جوعته بما لا يكون رفيعا من الثّياب، ولا يقضي إذا أيسر، قاله إبراهيم، وعطاء، والحسن، وقتادة. وعلى هذا القول، الفقهاء.
وقال عمر، وابن عبّاس، وعبيدة، والشّعبيّ، ومجاهد، وأبو العالية، وابن جبير: يقضي إذا أيسر ولا يستلف أكثر من حاجته، وبه قال الأوزاعيّ.
وقال ابن عبّاس أيضا وأبو العالية، والحسن، والشّعبيّ: إنّما يأكل بالمعروف إذا شرب من اللّبن وأكل من التّمر بما يهنأ الجرباء ويليط الحوض ويجد التّمر وما أشبهه، فأمّا أعيان الأموال وأصولها فليس للوليّ أخذها.
وقالت طائفة: (المعروف) أن يكون له أجر بقدر عمله وخدمته، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وفصّل الحسن بن حيّ فقال: إن كان وصيّ أب فله الأكل بالمعروف، أو وصيّ حاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وأجرته على بيت المال.
وفصّل أبو حنيفة وصاحباه، فقالوا: إن كان وصيّ اليتيم مقيما فلا يجوز له أن يأخذ من ماله شيئا، وإن كان مسافرا فله أن يأخذ ما يحتاج إليه ولا يقتني شيئا.
وفصّل الشّعبيّ فقال: إن كان مضطرّا بحال من يجوز له أكل الميتة، أكل بقدر حاجته وردّ إذا وجد، وإلّا فلا يأكل لا سفرا ولا حضرا.
وقال مجاهد: هذه الإباحة منسوخة بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا ... النّساء: 10.
وقال أبو يوسف: لعلّها منسوخة بقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ البقرة: 188، فليس له أن يأخذ قرضا ولا غيره.
وقال ابن عبّاس والنّخعيّ أيضا: هذا الأمر ليس متعلّقا بمال اليتيم، والمعنى أنّ الغنيّ يستعفف بغناه، وأمّا الفقير فيأكل بالمعروف من مال نفسه، ويقوم على نفسه بماله حتّى لا يحتاج إلى مال يتيمه. واختار هذا القول من الشّافعيّة الكيا الطّبريّ.
وقيل: إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى قيام كثير عليه؛ بحيث يشغل الوليّ عن مصالح نفسه ومهمّاته فرض له في مال اليتيم أجر عمله، وإن كان لا يشغله فلا يأكل منه شيئا، غير أنّه يستحبّ له شرب قليل اللّبن وأكل قليل الطّعام والسّمن غير مضرّبه ولا مستكثر منه، على ماجرت به العادة والمسامحة.
وقالت طائفة، منهم ربيعة، ويحيى بن سعيد: هذا تقسيم لحال اليتيم لا لحال الوصيّ، والمعنى من كان منهم غنيّا فليعفّ بماله، ومن كان منهم فقيرا فليقتر عليه بالمعروف والاقتصاد. ويكون من خطاب العين ويراد به الغير، خوطب اليتامى بالاستعفاف والأكل بالمعروف والمراد الأولياء، لأنّ اليتامى ليسوا من أهل الخطاب، فكأنّه قال للأولياء والأوصياء: إن كان اليتيم غنيّا فانفقوا عليه نفقة متعفّف مقتصد لئلّا يذهب ماله بالتّوسّع في نفقتة، وإن كان فقيرا فلينفق عليه بقدر ماله