فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 542
لأنّه حالة الأكل لم يكن نارا إنّما بعد صارت في بطونهم نارا.
وقيل: إنّ ذلك يكون في الآخرة، فهو حقيقة أيضا.
واختلفوا، فقيل: جميع ما أكلوه من السّحت والرّشاء في الدّنيا يجعل نارا في الآخرة، ثمّ يطعمهم اللّه إيّاه في النّار.
وقيل: يأمر الزّبانية أن تطعمهم النّار ليكون عقوبة الأكل من جنسه.
وأكثر العلماء على تأويل قوله: ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ على معنى أنّهم يجازون على ما اقترفوه من كتم ما أنزل اللّه والاشتراء به الثّمن القليل بالنّار، وأنّ ما اكتسبوه بهذه الأوصاف الذّميمة مآله إلى النّار. وعبّر بالأكل لأنّه أعظم منافع ما تصرف فيه الأموال. وذكر (فى بطونهم) إمّا على سبيل التّوكيد؛ إذ معلوم أنّ الأكل لا يكون إلّا في البطن، فصار نظير: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ... الأنعام: 38، أو كناية عن مل ء البطن، لأنّه يقال: فلان أكل في بطنه وفلان أكل في بعض بطنه، أو لرفع توهّم المجاز، إذ يقال: أكل فلان ماله، إذا بذر وإن لم يأكله، وجعل المأكول"النّار"تسمية له بما يؤول إليه، لأنّه سبب النّار، وذلك كما يقولون: أكل فلان الدّم، يريدون: الدّية، لأنّه بدل من الدّم. وتسمية الشّي ء بما يؤول إليه كثير، ومن ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا ... النّساء: 10. (1: 492)
الآلوسيّ: إمّا في الحال كما هو أصل المضارع، لأنّهم أكلوا ما يتلبّس بالنّار وهو الرّشا، لكونها عقوبة لها؛ فيكون في الآية استعارة تمثيليّة؛ بأن شبّه الهيئة الحاصلة من أكلهم ما يتلبّس بالنّار بالهيئة المنتزعة من أكلهم النّار، من حيث إنّه يترتّب على أكل كلّ منهما من تقطّع الأمعاء، والألم ما يترتّب على الآخر. فاستعمل لفظ المشبّه به في المشبّه، وإمّا في المآل، أي لا يكون يوم القيامة إلّا النّار، فالنّار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقيّ.
وقيل: إنّها مجاز عن الرّشا، إذا أريد الحال والعلاقة السّببيّة والمسبّبيّة، وحقيقة إذا أريد المآل. ولا يخفى أنّ الأوّل هو الأليق بمقام الوعيد. (2: 43)
القاسميّ: أي ما يستتبع النّار ويستلزمها، فكأنّه عين النّار، وأكله أكلها، و (فى بطونهم) متعلّق ب (يأكلون) . وفائدته: تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقرّ المأكول.
قال الرّاغب: أكل النّار: تناول ما يؤدّي إليها. وذكر الأكل لكونه المقصود الأوّل بتحصيل المال. (3: 384)
رشيد رضا: أي أولئك الكاتمون لكتاب اللّه والمتّجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلّا ما يكون سببا لدخول النّار وانتهاء مطامعهم بعذابها، وهذا أظهر من القول بأنّهم لا يأكلون في دار الجزاء إلّا النّار، أو طعام النّار من الضّريع والزّقّوم.
وعبّر عن المنافع بالأكل، لأنّه أعمّها، والمعنى لا تملأ بطونهم إلّا النّار، فإنّ الأكل لمّا كان لا يكون إلّا في البطن كان لا بدّ من نكتة لذكر البطن إذا قيل: أكل في بطنه، ورأيناهم يعبّرون بذلك عن الامتلاء، يقولون: أكل في بطنه، يريدون ملأ بطنه. والأصل أن يأكل الإنسان دون امتلاء بطنه. والمراد أنّه لا يشبع جشعهم، ولا يذهب بطمعهم إلّا النّار الّتي يصيرون إليها، على حدّ ما ورد في الحديث:"و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب". [ثمّ