فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 575
يتجاوز الحدود الطّبيعيّة لحاجاته في الحياة، بل يريد له أن يكون متوازنا في كلّ شي ء، ممّا يجعل من الالتزام بذلك عملا دينيّا يقرّبه إلى اللّه. والعكس صحيح، لأنّ الإنسان ملك اللّه، فلا يحبّ أن يتصرّف أحد في ملكه بما يسي ء إليه، سواء في ذلك ما يتعلّق بنفسه أو بالآخرين.
وهنا يكمن الفرق بين المبادئ الوضعيّة وبين التّشريع الدّينيّ، فإنّ تلك المبادئ تترك للإنسان الحرّيّة في ممارسة حياته الخاصّة، بقطع النّظر عن نوعيّة الممارسة، بينما يؤكّد التّشريع الدّينيّ على ضرورة تقييد هذه الحرّيّة، لمصلحة حياة الإنسان، وحمايته من نفسه. (10: 96)
9 -هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ الملك: 15
البروسويّ: والتمسوا من نعم اللّه تعالى فيها من الحبوب والفواكه ونحوها. والأمر إن كان أمر إباحة فالرّزق ما يكون حلالا، وإن كان خبرا في صورة الأمر بمعنى تأكلون فيجوز أن يكون شاملا للحرام أيضا، فإنّه من رزقه أيضا وإن كان التّناول منه حراما (10: 89)
الآلوسيّ: انتفعوا بما أنعم جلّ شأنه. وكثيرا ما يعبّر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنّه الأهمّ الأعمّ. وفي"أنوار التّنزيل"، أي التمسوا من نعم اللّه سبحانه وتعالى على أنّ الأكل مجاز عن الالتماس من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللّازم. قيل: وهو المناسب لقوله تعالى: (فامشوا) .
وجوّز بعض إبقاءه على ظاهره، على أنّ ذلك من قبيل الاكتفاء، وليس بذاك. [إلى أن قال:]
والمشهور أنّ الأمر في الموضعين للإباحة، وجوّز كونه لمطلق الطّلب، لأنّ من المشي وما عطف عليه ما هو واجب كما لا يخفى. (29: 15)
10 -كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ ... الحاقّة: 24
الطّوسيّ: صورته صورة الأمر والمراد به الإباحة.
كما قال: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ... المائدة: 2.
وقال قوم: إنّه أمر على الحقيقة، لأنّ اللّه يريد من أهل الجنّة الأكل والشّرب لما لهم في ذلك من زيادة السّرور اذا علموا ذلك، وإنّما لا يريد ذلك في الدّنيا، لأنّه عبث لا فائدة فيه. (10: 102)
الفخر الرّازيّ: والمعنى يقال لهم ذلك، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: منهم من قال قوله: (كلوا) ليس بأمر إيجاب ولا ندب، لأنّ الآخرة ليست دار تكليف، ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون ندبا، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان، وإدخال السّرور في قلبه.
المسألة الثّانية: إنّما جمع الخطاب في قوله: (كلوا) بعد قوله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ الحاقّة: 21، لقوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الحاقّة: 19، و (من) مضمّن معنى الجمع ...
فضل اللّه: وإذا كان الحديث عن الأكل والشّرب، فإنّ المسألة لا تقتصر عليهما، لأنّ السّعادة الرّوحيّة الّتي يمنحهم اللّه إيّاها في رضوانه ولطفه ومحبّته، لا يبلغها شي ء ممّا يعرفه النّاس من مشاعر السّعادة، ولكن مناسبة الحديث عن الجنّة يوحي بالحديث عن النّعيم الحسّيّ المتمثّل بالأكل والشّرب. (23: 75)