فهرس الكتاب

الصفحة 1419 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 2، ص: 602

السّياقين:

أ- قد استعمل الفعل فيهما متعدّيا على خلاف طفيف في التّركيب، له دلالة معنويّة خاصّة:

ففي آية الطّور:

(و ما) ، (الت) ، (نا) ، (هم) ، (من) ، (عملهم) ، (من شى ء) .

وفي آية الحجرات:

(لا) ، (يلت) ، (كم) ، (من) ، (اعمالكم) ، (شيئا)

فقد وقع المفعول الأوّل ضمير جمع في الموضعين، وهو ضمير متّصل بالفعل، ثمّ دخلت (من) التّجزيئيّة التّبعيضيّة على المفعولين الآخرين، في الأولى إشارة إلى أنّهم سينالون جزاء عملهم كاملا غير منقوص، كلّ عملهم بلا أدنى نقص. كما دخلت (من) على (اعمالكم) في الثّانية، لتثبت أنّ كلّ العمل سيثابون عليه، ولم تدخل على (شى ء) في الموضع الثّاني، لتفسح المجال له، ليكون مفعولا صريحا لا يحتاج إلى حرف جرّ.

ولعلّ هذا الفارق جاء من ناحية أنّ إلحاق الذّرّيّة بهم في الأولى: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ ءٍ، قد يوهم نقص الجزاء، فجاء (من) لإزالة هذا الوهم. أمّا في الثّانية: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا، فلا إلحاق فيها، فانتفت- بالتّالي- ضرورة دخول (من) على (شيئا) .

وممّا يقوّي هذه الرّؤية خاتمة كلّ من الآيتين، ففي الأولى كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ، لإثبات أنّ إلحاق الذّرّيّة بهم لن يسقط شيئا من جزائهم. وفي الثّانية إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛* حيث لا إلحاق، فلا وجود لتوهّم النّقص بهم، فاكتفى بدلا عن كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ بقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.*

ب- وهناك فرق آخر بين الآيتين، وهو أنّ (من عملهم) في الأولى مفرد، وفي الثّانية (من اعمالهم) جمع، فكأنّ مجي ء (من) في الأولى عوض من صيغة الجمع في الثّانية، تصريحا باستيعاب هذا الوعد الإلهيّ لكلّ أعمالهم.

ج- والفرق الثّالث، هو مجي ء الفعل في الأولى ماضيا والفاعل جمعا (التناهم) ، وفي الثّانية مضارعا والفاعل مفردا (لا يلتكم) . ومعلوم أنّ في الأولى تأكيدا أبلغ؛ حيث فرض الجزاء المستقبل محقّق الوقوع في الماضي، مع تفخيم الكلام فيها بتعظيم الفاعل (نا) . بخلاف الثّانية.

وهذا السّياق أنسب بقوله: (من شى ء) في الأولى و (شيئا) في الثّانية.

وهذا الفرق بين السّياقين تأكيدا ويسرا- كما أشرنا إليه- لوحظ في ذيل الآيتين؛ حيث جاء في الأولى وعد مؤكّد قاطع كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ، وفي الثّانية وعد رجاء إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.*

د- على أنّ في الآيتين مناسبة أخرى بين الذّيل والصّدر؛ حيث لم يذكر في الأولى سبق الكفر على الإيمان صريحا، بل إيمان صريح صادق يستتبع إيمان ذرّيّتهم وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ، فذيّله بوعد صريح مؤكّد كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ بينما سبق التّصريح بعدم الإيمان في الثّانية، حتّى بعد أن أسلموا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، فذيّله بوعد الغفران والرّحمة بشرط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت